الخميس , 13 ديسمبر 2018
أهم الأخبار
الرئيسية 1 مصر بعد 3 يوليو 1 تحليلات سياسية 1 أسرار “غرف الموت البطئ” بسجون الانقلاب العسكري
السجون السرية

أسرار “غرف الموت البطئ” بسجون الانقلاب العسكري

لو قال لك أحد الذين اعتقلوا ذات مرة أنه تم تعذيبه حرقا وضربا وإذلالا بالصعق بالكهرباء ومنع الطعام والشراب فصدقه، فهذا ما يحدث كل يوم فى مصر تحت حكم العسكر منذ 5 سنوات ،وحتى فى أزمنة سابقة من عهد الديكتاتور “عبد الناصر” والمخلوع حسنى مبارك. ومهما كتبت أقلام المرلفين والروائيين لتصوير ما يحدث بالداخل فلن يدركوا إلا واحداً على عشرة مما يحدث.

التقرير التالى يستعرض أبعاد الجريمة التى تبدأ بإعتقال شخص، وإيداعه فى غرف مظلمة، ثم بعد ذلك يأتى دور المحقق وعصابته بشتى انواع التعذيب، لكى تقر وتعترف بما يحلو له أن تعترف به حتى ولو قال لك إنك قتلت “الملك توت عنخ آمون” وهو فى سن التاسعة عشرة من عمره فسوف تعترف انك قتلته.

رحلة العذاب

كما يطلق عليها جميع من تم اعتقاله تبدأ من عند” المحقق” عندما يتم “تكبيل المعتقل بـ”الكلبش” لحظة الاعتقال، ويداه خلف ظهره، وتُغمى عينه بحيث لا يتمكن من رؤية شيء، وينتقل تحت وابل من الضرب والشتم والإهانة، يمكث خلالها المعتقل في أجواء التحقيق أو في الزنازين أسابيع أو شهورا.

تلك الفترة التى تشكل ضغطا شديدا على نفسيته وأعصابه، ففي كل صباح يحضر المحققون، ومع حضورهم تصفق الأبواب وتفتح وتغلق، ويظهر جندي وسجان من خلف الباب وينادي المطلوبين للتحقيق، وفي أروقة غرف التحقيق نفسها يكون الجو مشحونا بالترقب والحذر والخوف، في كل لحظة يشعر الأسير أنه سيكون المطلوب وهذا القلق يضغط على الأعصاب”.

شاهد على العصر

الصحفى أحمد رائف، أحد الذىن عاصروا هذه الاحداث ، فقد اعتُقل مع الإخوان المسلمين فى حقبة الديكتاتور “جمال عبد الناصر”،الذى روى أنه دخل غرفة التحقيق أول مرة فوجد ثلاثة من أصدقائه عراة تماما حتى إنه لم يتعرف عليهم أول الأمر، تنزف أجسادهم دما، وتنتفخ أقدامهم بالصديد، وتحت وقع المنظر الرهيب وما سبقه من صفع وإهانة، دار الحوار مع المحقق:

“- لماذا تسكت؟
-لا أدري ما أقول.
وبصوت خافت يقول الضابط: بل عليك أن تقول وإلا ساءت عاقبتك.
-اتفقنا.
-على أي شيء؟
-أنا عضو بتنظيم الإخوان، بل أحد قادة التنظيم.
– ستكتب اعترافا بهذا أليس كذلك؟
-بشرط أن أنجو من الضرب.
-اتفقنا سوف تنجو من الضرب، هاه، ماذا ستكتب؟
-سأكتب أنني عضو في تنظيم الإخوان المسلمين.
-ثم تعطينا تفاصيل عن تنظيم الإخوان وعن قيادة التنظيم.

-هذا المحال بعينه يا سيادة الرائد، لن أكتب حرفا أكثر من الجملة التي ذكرت لك، وافعل ما بدا لك فليس في استطاعتي أكثر من ذلك، صدقني.

ويكمل:كان التعذيب في أبي زعبل يعتمد أول ما يعتمد على القهر الروحي والتجريد من الملابس، فتضيع قيمة الإنسان أمام نفسه ويشعر أنه شيء مباح لا قيمة له ولا وزن، ثم الإهانة الفائقة التي تهز كيانه هزا عنيفا مزلزلا، وبعد ذلك الضرب المبرح والكي بالنيران والتجويع والعطش الشديد”.

أسلوب التحقيق

يعتمد هذا الأسلوب على تغمية السجين بكيس قماشي أسود لا يسمح للضوء بالدخول من خلاله، ومع مرور الوقت يفقد المعتقل إحساسه بالوقت، ويحيا في زمنه الداخلي الذي تمر الدقائق خلاله كأنها ساعات، وتتوقف حينها كل الحواس عن العمل، وتنشط حاسة السمع، فيسمع المعتقل أصوات الصراخ والتعذيب وأصوات الأبواب الحديدية، وأصوات الضرب والتهديدات والتنهيدات، وآهات المعذبين وأنين المنهكين، ويشعر المسجون بعزلة وانفصال رهيب عن العالم، ثم يتلقى الركلات والصفعات كل فترة، فيظل يفكر متى ستأتيني الركلة والصفعة القادمة، فيزيد توتره، ومع الوقت يشعر المسجون بالاختناق وصعوبة في التنفس وضيق في الصدر، وقد يستمر وضع الغماية على الرأس والوجه لأيام وأسابيع.

بعد مدة، إن لم يحرك المسجون الغماية ليستطيع أن يرى أو يتنفس، سينهار، وحينها سيتقبل أي شيء يقوله المحقق كي يتخلص من هذا العذاب، لكن الصبر والاحتمال ومقاومة الغماية بمحاولة تحريكها، قد يساعد السجين على التحمل.

(الإبتزاز)

من الوسائل التي يستخدمها الضابط إن فشل في إخضاع المعتقل أو دفعه إلى الاعتراف والانهيار، تهديده بإحضار أهله إلى السجن أو الإبتزاز (زوجته، ابنته، أخته، أمه، خطيبته)، وهي مسألة تمثل نقطة ضعف لأي إنسان، فالضابط يستغل حساسية هذا الأمر، ويهدد السجين بشرفه وعرضه وسمعته ، وأمام هذا التهديد يقف السجين عاجزا، بين إرادته وثباته ورفضه لما يمليه عليه المحقق، وبين الخوف من تعرض أهله للأذى، وكم تعرضت نساء في السجون للاغتصاب والأذى والتعذيب منذ الحاجة زينب الغزالي وحميدة قطب وحتى الآن.

(الصعق الكهربائي )

هذا الأسلوب يعتمد على التعذيب بالصعق الكهربائي بشكل أساسي، وإن صحبته وسائل أخرى بشعة مثل إطفاء السجائر في جسد السجين، ووضع أصابعه عند مفصل الباب الحديدي، ووضع رأسه في كيس ووضع قطة أو فأر داخله ثم الضرب فتنهش القطة في جسد السجين. أما عند صعق المعتقل بما يسمى “المنفلة”، وهي عبارة عن مولد كهربائي يخرج منه طرفان، يقوم الضابط بوضع طرف في العضو الذكري للسجين والطرف الآخر في أحد أصابع قدمه، “والمعتقل نائم على ظهره على الأرض عاريا موثق اليدين من الخلف وموثق القدمين، ثم يقوم الضابط بإدارة ذراع في المولد فتتولد منه الكهرباء، وعلى قدر سرعة إدارة الذراع على قدر قوة الكهرباء المنبعثة منه، ثم يستريح ويطلب منه عدم الإنكار كي ينقذ حياته، فإذا أصر السجين على الإنكار، يزيد الضابط لهجة التهديد بأنه سيقتله، ويتخلص منه”.

( تحقير وتجويع )

يلجأ المحقق كثيرا إلى ذلك الأسلوب حتى يكسر إرادة المعتقل، ودفعه إلى الانهيار وإقناعه أن الاعتراف حتمي، فيحرم المحقق المعتقل من الطعام والشراب، فيشعر بجفاف في الحلق، وتنبعث رائحة كريهة في الفم، ويصاب بالدوار والدوخة بعد اليوم الثاني، ولا يستطيع النوم، ولا يقدر أن يقف على قدميه، وينتابه شعور بثقل الرأس، وهبوط في قواه، واصفرار في وجهه، وضمور في بطنه وارتخاء في عضلاته، وشعور بالإرهاق العصبي، “ويستغل المحقق أسلوب التجويع كأسلوب غير مباشر، حيث يكلف الجندي الحارس عندما يوزع وجبات الأكل صباحا وظهرا ومساء حرم هذا السجين من تناول الطعام لعدة أيام متواصلة، وأحيانا يتم وضعه في زنزانة انفرادية كي يسرع في انهياره وإرهاقه العصبي، وشل تفكيره، ودفعه إلى الاعتراف كمخرج وحيد”.

(ارحم أولادك)

من بين صور العذاب ما يحكيه المعتقل خالد حربي: “سأقتلك يا كلب، ستموت الآن”، ويبدأ الضابط بزيادة فولت الكهرباء ويهتز السجين اهتزازا شديدا ويشعر بضيق في التنفس وتصل الروح الحلقوم فينتفض جسده، ويستمر الضابط صارخا: “ستموت الآن، ستموت الآن، اعترف.. اعترف.. وارحم أولادك”. فإذا استمر السجين في إنكاره، يتوقف الضابط كي يلتقط أنفاسه ويبدأ الجولة الثانية قائلا: “كنا نريد أن نقتلك، لقد شاهدت الموت.. لن يمنعنا أحد من قتلك، بإمكاننا أن نقتلك الآن.. ستفقد حياتك.. وتخسر أولادك.. الآن تعترف أو تموت”، وتبدأ جولة الصعق الكهربائي مرة أخرى.

خالد حربى

يحكي خالد حربي قائلا: “تم اقتيادي إلى فرع أمن الدولة ومارسوا معي طوال 40 يوما تحقيقا قذرا، وطلبوا مني أن أدلي لهم بمعلومات وأن أعمل معهم فرفضت.. وتبادلوا على تعذيبي أربعا وعشرين ساعة، هددوني بالموت، أنهم سيقتلونني، ووضعوا سلكا في عضوي الذكري وآخر في دبري وقيدوني بإحكام وألقوا بثقلهم فوق جسمي، وسألني الضابط: ما اسم أبنائك؟ تذكر آخر مرة رأيتهم فيها؟ ويبدأ الصعق ويقول: سأقتلك يا كلب، ستموت يا مجرم، حتى إذا كان بيني وبين الموت لحظة أوقفوا الكهرباء”.

(الإيهام بالإفراج)

وإذا طال صمود السجين وفشلت جميع الأساليب السابقة يلجأ الضابط إلى خديعة جديدة، وهي أن يجلس مع المعتقل ويقول له: “نريد أن نتحدث بصراحة، أنا معجب بصمودك، ورجولتك.. وأتمنى أن يكون الشباب كلهم مثلك، وأن يقتدوا بك، ولكن صلابتك وعدم اعترافك لن يخرجاك من السجن لعشرات السنين، حتى لو لم تعترف.. نستطيع أن نلفق لك التهم وتحاكم عليها مدى الحياة، ولكنني عندي رأي سأقدمه لك، وأنت حر ولست مجبرا، لكن فكر فيه جيدا، إننا على استعداد أن نطلق سراحك غدا مقابل موقف منك، أن تتعامل معنا، نحن نضحي معك بكل شيء وعليك أن تضحي معنا بشيء صغير، إذا شاهدت أحد المتطرفين أو رأيت شيئا مريبا أبلغنا فقط، فكر في هذا الموضوع”.

يبدأ المعتقل حينها في التفكير بالحرية والخروج من السجن، “وتتزاحم الأفكار في رأسه، فإذا أبلغ الضابط بموافقته، يقول له الضابط إنه أحسن الاختيار وأنقذ نفسه، لكنه لا يملك القرار وأنه سوف يعرض الأمر على لجنة مختصة، وسيبلغه بعد يومين، ويترك المعتقل يومين بين الحلم والخيبة والقلق، وبعد يومين يقول له المحقق: مبارك لقد وافقوا، لكن كي تبدي حسن النية عليك أن تعترف بشيء صغير، شيء تافه لن يضرك في شيء، وستبدأ إجراءات الإفراج من الغد، وغدا الساعة الحادية عشرة صباحا، ستشاهد الشمس، وتستنشق نسيم الحرية.. ثم يأخذ ما يريد ويتركه”.

شاهد أيضاً

شباب - عسكر - محاكمة

الهجرة.. حلم المصريين للهروب من همجية العسكر

لا يرغب الناس عادةً بالهجرة من أوطانهم إلى الخارج؛ ذلك أنّ الوطن عزيزٌ على قلب ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *