السبت , 17 نوفمبر 2018
أهم الأخبار
الرئيسية 1 ثورة يناير 1 مصر قبل 25 1 الشارع السياسي فيما قبل “25يناير”
وحشية الشرطة
وحشية الشرطة

الشارع السياسي فيما قبل “25يناير”

لم يخطّط أحد لـ 25 يناير من أجل قلب نظام حكم مبارك، حين شرعوا في التعبئة قبل ذلك بعامين، ولم يكن دافعهم حزبياً أو طائفياً أو عرقياً أو جغرافياً، بل وحده الحسّ الوطني كان وراء ذلك؛ فأنجزوا ما لم ينجزه أيّ حزب آخر، أو أيّة جماعة أخرى على مدى عقود، في توحيد الشعب وإحداث تغيير في السّياسات والبرامج. وكان النظام، على مدى سنين، قد بذل جهوداً حثيثة لتحييد الشعب عن السياسة، فجاءت جماعةٌ صغيرة من القادة الشبّان لتحبط تلك الجهود، وتنتهز فرصة تاريخية، فوحّدت البلاد عبر مطالب سياسيّة ووطنية ضمن فضاء الحّيز العام، فمهّدت الدّرب أمام قيام مصر الحرّة.

بدأ كلّ ذلك في المحلّة في 6 أبريل 2008، حين قرّرت مجموعة ناشطين التظاهر في هذه الضّاحية الصّغيرة البعيدة عن القاهرة تأييداً لمطلب رفع الحدّ الأدنى للأجور. ومن وجهة نظر هؤلاء الناشطين، كان التجمّع ناجحاً نسبياً، فقرّروا الاستمرار في جهودهم السّياسية. وبعد تظاهرة المحلّة، رمت استراتيجية الناشطين في البداية إلى التجمّع في تظاهرات صغيرة، كلّ منها في وقت مغاير في حيّ من أحياء القاهرة التي تضم الفقراء وأصحاب الدّخل المتدنّي. وكان المتظاهرون يرفعون دوماً شعارات تنادي بمطالب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالهمّ الاقتصادي: الحاجة إلى تأمين وظائف للعاطلين عن العمل، والتوزيع الأفضل للدخل وغير ذلك. وفي بعض المظاهرات، وزّع المنظمون مناشيرَ تلقي الضوء على قضايا اقتصادية. ولم تكن شاملة، إلاّ أنها بدت مشجّعة في أعين المنظّمين.

ولأنّ الناشطين كانوا مدركين تماماً لسطوة الشّرطة والمخابرات، فإنهم لم يكشفوا أبداً عن خططهم على الملأ، ولا حتى أمام المتظاهرين الذين شاركوا في تلك التجمعات في البدء. فلو أنّ حدثاً ما احتاج إلى ثلاث مجموعات أو خمسٍ على سبيل المثال، كان قائد كلّ مجموعة وحده ملماً تماماً بالخطّة بكاملها، كما أنّهم استخدموا الانترنت، وغيّروا أرقام هواتفهم المحمولة على الدوام. وفي إحدى المظاهرات، توجّه عددٌ من القادة إلى الحيّ المزمع تنظيم تظاهرة فيه قبل عدّة أيام من التظاهر، حاملين مؤقِّتا (كرونومتر)، فحسبوا المدّة الضرورية للعبور مشياً من منطقة إلى أخرى، وحدّدوا مسافة أقرب مقرّ شرطة في المنطقة من مكان انطلاق التظاهرة، ووجهة تدفّق سير العربات، بطريقة تمكّن رفاقهم من تجنّب أيّ تدخّل لقوى الأمن. وكان الحدث ناجحاً، فقد جرت التظاهرة، ووُزّعت المناشير، بل إنّ بعض الواقفين على الأرصفة صفّقوا للشبّان المتظاهرين، وتمكّن الجميع من الفرار.

كانت الانترنت وسيلة التّواصل بين جماعة 6 أبريل وحزب الجبهة الديمقراطية والعدالة والحريّة ومجموعة “كلّنا خالد سعيد” وحملة البرادعي وشباب الإخوان وآخرين غيرهم، واتّصلت بهذه الحلقة من الناشطين السياسيّين ، مجموعةٌ طريفة من مناصري الأهلي والزمالك (فريقيْ كرة القدم المصرييْن الشعبييْن). ويعدّ هؤلاء المناصرون بالآلاف، وكانت الشّرطة قد أساءت إليهم خلال عدّة مباريات، ووجدوا على الأرجح في عيد الشرطة مناسبة للتشويش عليها في يومها الوطني. وقد أدّى هؤلاء المناصرون المشاكسون والأشدّاء والمنظّمون دوراً أساسياً في مواجهة الشّرطة، حين اندفعت حشود المواطنين إلى ساحة التحرير يوم 25 يناير.

لم يشارك قادة الإخوان المسلمين وأحزاب أخرى في حدث 25 يناير 2011، غير أنّ شباب الإخوان الذين يشكّلون نسبة عالية من أتباع الحركة، قرّروا المشاركة مع زملائهم العلمانيّين، الذين كانوا على اتّصال بهم منذ أحداث المحلة في سنة 2008، وهو ما وحّد المنظّمين تحت شعار غير مدوّن، ألا وهو: الرّغبة في مصر أكثر ديمقراطيّة وعدالة.
ردّة فعل الدولة

لم تتصوّر جميع الأحزاب السياسية في مصر، ولا كبار مسؤولي الدولة، أنّ حدثاً نظّمه مجهولون يفتقرون إلى برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي يعلنونه للناس، سيشهد هذا الانتشار السّريع بين الجماهير على نحو ما جرى؛ فانتهج نظام مبارك المسلك التقليدي للنظام السّلطوي ، متمثّلا في عنف الدولة ، وهي الطريقة الوحيدة للقضاء على التمرّد غير المرغوب فيه.

وهكذا، قامت استراتيجية الشرطة على الحيلولة دون وجود تجمّعات كبيرة، ومنْع الجماهير من الوصول إلى ساحة التّحرير، لكن الحشود كانت هائلة، حيث تدفّق مئات الآلاف من المواطنين إلى الساحة من جميع الاتجاهات، وانطلقت عدّة مظاهرات في أنحاء البلاد قاطبة. وما إن حلّ المساء، حتى بدأت الجماهير تصل إلى ساحة التّحرير، فيما تداعت بعض تحصينات الشّرطة بفعل تدافع الحشود، ثم استنفدت الشرطة كلّ ما لديها من القنابل المسيلة للدموع والطّلقات المطّاطيّة. وانتظرت أجهزة النظام البوليسية حتى قرابة منتصف الليل قبل أن تعاود هجومها على الجماهير؛ التي كانت من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة ، مع غلبة لأبناء الطبقة الوسطى؛ لكن هذا الهجوم عزّز صلابة المتظاهرين، وأشعل فتيل الغضب الجماهيري أكثر على مبارك ونظامه، فرُفع شعار “يسقط النظام”.

وعاودت حشود الشبّان العُزّل بقيادة شباب الإخوان وجماهير مناصري كرة القدم، فأحضر أحد قادة حركة 6 أبريل الخيمة الأولى ونصبها في ميدان التحرير، واعتبر قادة الحركة أنّ تلك الخطوة يجب أن تشكّل بداية احتلال السّاحة حتّى تحقيق مطالبهم. وإلى غاية ليلة 25 كانون الثاني/يناير لم تشتمل لائحة المطالب التي رفعوها على مطلب تنحِّي حسني مبارك، وهو ما صرّح به أعضاء القيادة الشّابة بعد أسابيع على سقوط مبارك، بأنه لو عمد إلى إقالة وزير داخليته في تلك الليلة، لكان المتظاهرون عادوا إلى منازلهم، و لشعرت القيادة الشابّة بأن هدفاً أساسياً قد تحقّق. لكن هذا الإحساس بالإنجاز لم يكن ليدوم طويلاً في ضوء تركيبة نظام مبارك البشعة. وكما اتّضح فيما بعد، فقد دفعت ردّة فعل النظام بالمتظاهرين إلى رفْع سقف مطالبهم.

في أعقاب حادثة 25 يناير انطلقت مظاهرات عفويّة في القاهرة كلها، وفي مدن أخرى مثل الإسكندرية والسويس وغيرهما، وشكّل ذلك ضغطاً على الشّرطة في محاولتها إنهاء موجة المظاهرات والحراك الشّعبي في مصر بأسرها. وبما أنّ المتظاهرين آنذاك اشتبكوا مع الشرطة، فقد كانوا يتلقّون النّصح من زملائهم في تونس بشأن كيفية التعاطي مع الشرطة والقنابل المسيلة للدموع وغيرها من وسائل القمع.

ومرة أخرى، كانت ردة فعل النظام متوقّعة، إذ شملت إغلاق قنوات الاتصال والتنظيم، وعُطّلت خدمات الهاتف والجوّال والانترنت، وفُرض حظرُ التجوّل، لكن شبكة أخبار الجزيرة كانت تذيع المعلومات عن التظاهرات المخطّط لها عبر بثّ القمر الصناعي، ولجأ الناس إلى وسائل الإعلام الرّقمية للحفاظ على التّواصل، فتدفقّت الجماهير ثانيةً للمشاركة في التظاهر.

وهكذا، أثمر حظر التجوّل، الذي رأت فيه جماعة مبارك وسيلة لضبط الوضع، نتائج عكسية؛ حيث أُغلقت المصارف والشركات، ووجد المحافظون أنفسهم بلا عمل يقومون به، إضافة إلى انهيار قوّات الشرطة، فرغم أنّ أعدادها كانت غفيرة، إلاّ أن حدّة المظاهرات حالت دون نجاح هذه القوّات في تقديم مزيد من الدّعم للنظام.

ولاحقاً تم سحب الشّرطة، وانتشر الجيش، واندلع فجأة العنف الثأري في أرجاء مصر، مستهدفاً رموز نظام مبارك المبغوضين، وأُحرقت مباني الحزب الحاكم في قلب العاصمة وفي مدن أخرى، وأُضرمت النّيران في مراكز الشرطة، وهوجمت السّجون وأُطلق السجناء. ومع أنّ تحرير معتقلي حماس وحزب الله أشار إلى أنّ العملية نظّمتها مجموعات لها مصلحة واضحة في تحرير رفاقهم، إلاّ أنّ اقتحام السّجون لم يقتصر على تحرير السّجناء السّياسيين، حيث شمل سجوناً أخرى، وفرّ منها مجرمون محكوم عليهم في قضايا جنائية. وشهدت القاهرة، وغيرها من الأماكن، أعمالَ عنف ونهب، اتُّهم المجرمون الفارّون بتنفيذها؛ وجاء ردّ الجماهير سريعاً ومنظّماً، وعملتْ اللجان الشعبية، التي انتشرت في مختلف الأحياء، على وضْع حدٍّ للأذى الذي استهدف الناس والممتلكات، فمنعت ممارسات العنف التي كانت على وشك أن تجعل الحركة الشعبية برمّتها تحيد عن مسارها.

وقد حظي مبارك ببعض التعاطف أعقاب خطابه الثاني على شاشة التلفزيون يوم 10فبراير، حيث بدا أنّ هناك فسحة أمل للنظام في شقّ صفّ المعارضة من خلال إطلاق حوار مع بعض المجموعات، لكن اليوم التالي للخطاب شهد اشتباك “بلطجية” يمتطون الخيول والجمال مع المتظاهرين، فهاجموهم بالعصيّ والقضبان، مطْلقين شعارات مؤيّدة لمبارك (ولا بد أن تدوّن هذه الحادثة التي أطلق عليها المصريّون اسم “موقعة الجمال” بحسّهم السّاخر، بهذا الاسم في التاريخ السياسي). وقد قضت هذه الحادثة التي استغرقت أقلّ من ساعة على أيّ تعاطف كانت الجماهير تشعر به تجاه نظام مبارك، كما أنها طرحت تساؤلات ستبقى سنوات ، من قبيل: مَن هؤلاء “البلطجيّة”؟ ومن أين جاؤوا؟ وإن كان هناك مَن أرسلهم فمن هو؟

بعد هذه الحادثة، ساد شعورٌ عام في مصر بأنّ أيام مبارك رئيساً لمصر باتت معدودة، فقد رفض المنظّمون الشبّان الموافقة على دعوة النّظام للحوار مع عمر سليمان؛ بل على النقيض من ذلك، ضاعف الشّباب مطالبهم، ومارس شباب الإخوان، الذين كانوا مشاركين في التظاهرات في مصر بأسرها، شتّى الضّغوط على قيادتهم لحثّها على الانسحاب من عملية الحوار التي بدأها عمر سليمان مع المعارضة.

كانت دائرة مبارك الداخلية تتألف من حفنة من السياسيّين الذين لم يخضعوا لمساءلة سلطة منتخبة أو لمؤسّساتهم نفسها، وقد كانوا في خدمة مبارك لا في خدمة الرئيس، وكانوا يسْدون له النصح قرابة عقْد، ويزوّدونه بالمَشورة التي تخدم مصالحه الذاتية؛ ما أدّى في نهاية المطاف إلى سقوط مبارك ودائرته.

ونظراً لتشرذم عملية اتّخاذ القرار على مستوى الدولة، وعزلة مبارك ومَن حوله، وانهيار قوّات الأمن، وحياديّة الجيش؛ بات على الدّولة أن تواجه، ليس حفنة من الشبّان المنظّمين الذين كانوا مستعدّين للمضيّ حتى النّهاية فحسب، ولكن ما بدا وكأنه الشّعب بأكمله الرّافض للنظام؛ فاضطرّ مبارك إلى الاستقالة.

مصادر:
المركز العربي للأبحاث
مقالات متنوعة

شاهد أيضاً

محمد-إبراهيم-أغا-870x350

سجن المنيا يحرم “الأغا” من علاج “الصرع” في سبيل قتله

تتواصل الانتهاكات في السجون المصرية لتشمل منع المعتقلين من حقهم في العلاج من الأمراض التي ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *