الخميس , 5 ديسمبر 2019
أهم الأخبار
الرئيسية 1 مصر بعد 3 يوليو 1 تحليلات سياسية 1 رائحة البطران.. من قتل العميد أيمن أبو طالب مأمور قسم الشروق؟
ايمن ابو طالب

رائحة البطران.. من قتل العميد أيمن أبو طالب مأمور قسم الشروق؟

لا يحتاج المرء إلى ذكاء كبير ليدرك أن هناك قوة مستترة فى وزارة الداخلية تحاول حماية المتهمين بقتل العميد أيمن أبو طالب، مأمور قسم الشروق، يجب هنا أن نتذكر أن معظم مساعدي حبيب العادلي ورجاله المخلصين عادوا بعد الانقلاب إلى مناصبهم، ولا يمكن أن نتوقع منهم أن يساعدوا فى إدانة أنفسهم.

الرواية الحاضرة دوما في أعقاب أي عملية تصفية داخلية للقيادات الأمنية هى أنه لم ينتحر، والطلقة خرجت أثناء تنظيف سلاحه الميرى، تلك الرواية التي تتعارض مع ما تم التصريح به مسبقا بأن العميد أبو طالب قام بإطلاق عيار ناري داخل فمه، مما أدى إلى وفاته في الحال، ذلك التعارض الذي يفتح باب الشك على مصراعيه في وجه سلطة انقلاب طابعها الكذب، حتى إنها أخرجت ثلاث روايات متضادة عندما قامت بتفجير معهد الأورام.

اللغز

جريمة العميد أيمن أبو طالب تشبه في سياقها إلى حد كبير التخلص من اللواء محمد البطران، رئيس مباحث قطاع السجون، إبان ثورة 25 يناير 2011، عندما أرادت عصابة العسكر التخلص من رجل عظيم أدى واجبه للنهاية وقدم روحه فداء لأمن وطنه، إلا أنها فى نفس الوقت تعكس بوضوح الأوضاع المعوجة التى تعيشها مصر تحت سلطة عصابة تتعامل وفق قواعد المافيا الإيطالية.

تقول الإعلامية رشا عزت: “انتحار مأمور قسم الشروق بطلق نارى فى الرأس، بعد دقائق من مشاجرة حدثت بينه وبين رئيس قطاع القاهرة الجديدة، الخبر ممنوع تداوله”. بينما تداول نشطاء ومراقبون معلومة أخرى غاية في الخطورة، تقول إن العميد أيمن أبو طالب لقي مصرعه على يد ضابط برتبة ملازم بمباحث قسم الشروق، وهذا الضابط ابنٌ للواءٍ صاحب منصب رفيع بالداخلية، وكان مكلفا بقتل العميد أيمن من قبل جهة أمنية، وأن هناك تعليمات صارمة للإعلام باعتبار الحادث قتل خطأ وطمس الحقيقة.

أول طرف الخيط بأن هناك عملية تصفية وقتل عمدٍ عندما بث إعلام العسكر خبرًا يقول “انتحار مأمور قسم الشروق بسبب أزمة نفسية حادة!”، ثم بعدها بساعات يتم سحب الخبر ورفعه من على كافة المواقع الإخبارية، مع تعديل جذري يقول “مصرع مأمور قسم الشروق عن طريق قتل نفسه بالخطأ في مكتبه!”، فأين الحقيقة وماذا حدث للرجل ولماذا قُتل على هذا النحو الغامض؟.

رائحة البطران

اللواء محمد البطران كان رئيسا لمباحث قطاع السجون، وهو منصب أمنى رفيع يجعله مسئولا عن السجون فى مصر كلها، اشتهر البطران بالجدية والاستقامة والكفاءة، وعندما قامت الثورة فى 25 يناير ارتكبت وزارة الداخلية بقيادة حبيب العادلى جرائم بشعة من أجل إخماد الثورة، وصلت إلى حد استعمال قناصة محترفين لقتل المتظاهرين العزل حتى وصل عدد شهداء الثورة إلى ما يقرب من ألف شهيد، بالإضافة إلى ألف وأربعمائة مواطن فقدوا عيونهم بالرصاص المطاطي وآلاف المفقودين الذين ما زالوا مسجونين فى أماكن مجهولة أو ماتوا ودفنوا بعيدا عن الأنظار.

فى يوم الخميس 27 يناير، بدأ نظام مبارك فى تنفيذ خطوة إجرامية بشعة من أجل القضاء على الثورة المصرية، قرر العادلي وأعوانه فتح السجون فى مصر كلها وإطلاق السجناء الجنائيين من أجل تأديب المصريين وترويعهم حتى يكفوا عن التظاهر ويعودوا إلى بيوتهم.

كانت طريقة فتح السجون معروفة ومتكررة، تبدأ بأن يقوم ضباط السجن باستفزاز المسجونين حتى يتمردوا ثم يطلقوا الرصاص عليهم ويفتحوا أبواب السجن، هكذا يتحقق الهدف مع تغطية مناسبة لموقف الضباط الذين سيقولون فى التحقيق إنهم قاوموا المساجين وأطلقوا النار، لكنهم فى النهاية فشلوا فى منعهم من الهرب. وشدد العادلي على تنفيذ خطة إطلاق المساجين، وطلب من قياداته إحالة كل من يمتنع عن تنفيذ التعليمات إلى محاكمة عسكرية أو قتله إن لزم الأمر، كما نشرت جريدة الشروق في فبراير 2011.

أوامر بالقتل

بما أن اللواء البطران كان المسئول الأول عن السجون المصرية، فقد كان من المستحيل تهريب المساجين دون موافقته أو استبعاده، تؤكد الدكتورة منال، أخت اللواء البطران، أنه عرف بخطة العادلى فى إطلاق المساجين ورفض تنفيذها من البداية.

فى مساء الخميس 27 يناير، تم إبلاغ اللواء البطران بوجود شغب فى سجن الفيوم، فتوجه إلى هناك فورا واستطاع أن يسيطر على السجناء، ولم يتركهم حتى تأكد من عودتهم إلى الزنازين وأغلقها عليهم، نجح اللواء البطران فى إفشال مخطط العادلى، وعلى مدى يومى الخميس والجمعة لم يُفتح سجن واحد فى مصر بفضل صلابة اللواء البطران ويقظته وإخلاصه.

أدرك العادلى وأتباعه أن وجود البطران سيمنعهم من تحقيق الخطة، وفى صباح يوم السبت 28 يناير اتصل اللواء البطران بأخته وقال لها بالحرف: “حبيب العادلى يريد أن يشعل النار فى مصر كلها”.

وفى الساعة السادسة مساء تم إبلاغ اللواء البطران بأن هناك تمردا جديدا فى سجن القطا بالقليوبية، فتوجه من فوره إلى هناك إلا أنه فى الطريق تلقى نصيحة من أحد قيادات الداخلية بالعودة إلى بيته وعدم الذهاب إلى السجن، بحجة أن الضباط هناك سيتصرفون فى الأمر.

كان اللواء البطران يعلم أن غيابه سيؤدى بالقطع إلى تهريب المساجين، وبالتالى أصر على أداء واجبه وأسرع إلى سجن القطا، فوجد المساجين فى حالة هياج لأن ضابطا من السجن قد أطلق النار على مسجون وقتله، غضب اللواء البطران بشدة وصاح فى الضابط القاتل: “كيف تقتل مسجونا أعزل؟! سأحيلك إلى محاكمة عسكرية وأنا الذى سأحاكمك بنفسى”.

أعطى البطران تعليماته المشددة إلى الضباط فى كل أبراج الحراسة حول السجن بعدم إطلاق النار مهما تكون الظروف، ثم دخل بشجاعة لمقابلة المساجين وهو أعزل دون سلاح كما تقضى لائحة السجون.

استطاع البطران احتواء غضب المساجين وأقنعهم بدخول الزنازين، عندئذ تأكد لأتباع العادلى أن الخطة ستفشل للمرة الثانية، فما كان من الضابط الذى قتل المسجون إلا أن أشار إلى زميل له فى برج المراقبة، وأمره بضرب النار فأطلق رصاصتين على اللواء البطران، فسقط شهيدا فى الحال.

الجريمة مفضوحة

بقتل البطران أزيل العائق الأكبر أمام خطة العادلى فتم فتح السجون المصرية وتهريب 24 ألف سجين جنائى، اتهمت الدكتورة منال، أخت اللواء البطران، ضابطين يعملان فى سجن القطا بقتل أخيها، حددتهما بالاسم فى بلاغات متكررة للنائب العام، ودعمت الاتهام بشهادات سجناء عديدين مسجلة بالصوت والصورة على سيديهات، وتم تقديمها كلها إلى النائب العام، هكذا نرى أن القضية واضحة غير أن ملابسات التحقيق فيها غريبة وغامضة.

أولا: أعلنت وزارة الداخلية فى بيان رسمى أن اللواء محمد البطران، رئيس مباحث سجن الفيوم، قد قتله السجناء أثناء هروبهم، بينما هو رئيس مباحث قطاع السجون، وقد استشهد فى سجن القطا وليس سجن الفيوم، وقد أدت هذه البيانات المغلوطة إلى تضليل الرأى العام مما صرف الأنظار لفترة طويلة عن مكان الواقعة وساعد على إخفاء المتهمين الأدلة التى تدينهما.

ثانيا: بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على مقتل اللواء البطران لم تفتح وزارة الداخلية تحقيقا فى مقتله، لا يعتقد أي مراقب أن أى وزارة داخلية فى العالم يقتل فيها أحد قياداتها أثناء أداء عمله تمتنع عن فتح تحقيق لمعرفة الحقيقة، السؤال هنا هل سمع وزير الداخلية السابق منصور عيسوى بمقتل اللواء البطران؟ ولماذا لم يفتح تحقيقا فى الجريمة التي مر عليها أكثر من سبع سنوات حتى الآن؟!.

ثالثا: بدأ سجال غريب بين النيابة العامة ووزارة الداخلية بشأن مقتل اللواء البطران، لقد طلبت أسرة الشهيد من النيابة الانتقال إلى سجن القطا لمعاينة مكان الجريمة والاستماع إلى شهادة السجناء على الطبيعة، إلا أن النيابة العامة امتنعت عن الذهاب إلى السجن بحجة أن وزارة الداخلية حذرتها من أن الحالة الأمنية فى سجن القطا لا تسمح بالمعاينة، ويتساءل المراقبون: هل يمكن للنيابة العامة أن تحقق فى جريمة قتل مركبة مثل مقتل اللواء البطران دون معاينة مسرح الجريمة؟

طمس الحقائق

سؤال آخر: إذا كانت الحالة الأمنية فى السجن متوترة ألم يكن من الممكن الاستعانة بالشرطة العسكرية لحماية وكلاء النيابة حتى يؤدوا واجبهم على الوجه الأكمل؟.

رابعا: قدمت أسرة الشهيد بلاغا للنائب العام تتهم فيه بالاسم ضابطين من مباحث سجن القطا بالاشتراك فى مقتل اللواء محمد البطران، لكن النيابة بدلا من أن توجه الاتهام إلى الضابطين المذكورين قامت باستدعائهما كشاهدين على الواقعة، وهذا تصرف غريب من النيابة لا نجد له تفسيرا إلا التواطؤ في الجريمة.

خامسا: طلبت النيابة العامة تحريات الشرطة عن الجريمة من مباحث السجن الذى يعمل فيه الضابطان المتهمان بقتل البطران، والسؤال كيف لم يدرك وكيل النيابة أن الضابطين المتهمين سوف يستعملان نفوذهما من أجل إعطائه تحريات مغلوطة، وهل كان يتوقع مثلا أن يرسل إليه الضابطان المتهمان تحريات تدينهما بتهمة القتل؟.

سادسا: طلبت النيابة من وزارة الداخلية الاستماع إلى شهادة السجناء الذين يظهرون فى تسجيل بالصوت والصورة، يؤكدون فيه أن البطران قتله الضابطان المتهمان، لكن وزارة الداخلية ردت على النيابة بخطاب تقول فيه إنها لم تستدل على هؤلاء السجناء، لأن أسماءهم ثلاثية وليست رباعية، بعد ذلك بأيام قليلة أحرق مجهولون مبنى مصلحة السجون مما أدى إلى تدمير سجلات السجناء بالكامل.

سابعا: قدمت أسرة اللواء البطران بلاغا في وقتها طالبت فيه باستبعاد وزارة الداخلية من جمع التحريات، حيث إن المتهمين ضابطا شرطة مما يجعل وزارة الداخلية غير محايدة، وطالبت أسرة الشهيد بأن تقوم الشرطة العسكرية بالتحريات، وقبل أن يجيب النائب العام وقتها على هذا الطلب أعلنت وزارة الداخلية، فى نفس اليوم عن حدوث تمرد فى سجن القطا مما يحتم توزيع السجناء على سجون عديدة مختلفة، وهكذا ضاع الدليل الأخير على إدانة القتلة وتبدد حق الشهيد البطران إلى الأبد.

شاهد أيضاً

4

ديلي ميل: ميدان التحرير عقب تنحي مبارك.. ضمن أفضل صور رويترز خلال عقد

في تقرير على موقعها الإليكتروني نشرت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية عشرات الصور التي التقطها مصورو ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *