الأحد , 16 يونيو 2019
أهم الأخبار
الرئيسية 1 إبداعات ثورة 1 سكينة إبراهيم تكتب :رسالة في “ليلة دافئة”
رسالة في "ليلة دافئة"
رسالة في "ليلة دافئة"

سكينة إبراهيم تكتب :رسالة في “ليلة دافئة”

 

أسند رأسه إلي الحائط واعتزم أن يأخذ فسحة من الوقت للتفكير وتجديد النية قبل أن يعاود صلاته من جديد، لم يكن يشغل باله ما هو فيه، بقدر ما أصابه شيئ من القلق علي أهله وذويه عندما وصل إليهم خبر انتقاله إلي سجن الإستئناف حيث سيتم فيه تنفيذ الحكم الجائر بالإعدام في الصباح الباكر؛ فقد حدثه قلبه أن خبرا كهذا يمكنه أن يبعث حرقة وحسرة في قلوب كل من يتابع قصته، ولربما تمضي عليهم الآن تلك الساعات القليلة في ترح وغم ما بعده غم..

راوده حينذاك شعور بالعجز الشديد، فقد كان يأمل أن تكون في يديه أية وسيلة للتواصل العاجل مع أهله ومحبيه حتي يخبرهم عما يعيشه هو في تلك الليلة وما استقر عليه قلبه وضميره حتي ينعمون بقدر من الإطمئنان وهدوء البال والخاطر..وفي لحظة خاطفة كضوء البرق، هدأت نفسه حين تذكر أن رُسل التواصل بين القلوب المتحدة علي الدعوة الخاتمة، والمتآلفة علي المحبة الخالدة ستمر علي وجدان الجميع يقينا وتترك فيه أثرا من خبر..

*****

ركزّ جلّ فكره في ليلته تلك لصناعة حالة إدراك وثابة للمعاني الجياشة بداخله؛ علّ خواطره تلك تطير أعلاه وتحلق وتصل إلي من يكابدون ألمهم عليه الليلة ..وكل ليلة من بعد الآن..فقد أراد أن يبلغهم أنه ومنذ أن ابتُلي بالأسر والسجن، لم تمر عليه ليلة دافئة هانئة كتلك..فرغم أن وِرده من صلاة وقيام ودعاء وقرآن لم ينقطع في أي من تلك الليالي السابقة، إلا أنه كان فيهم ومع ذلك منشغلا بشيء كبير من تفاصيل المحاكمة الهزلية وما بها من أحداث ومسارات، أما الآن فقد فرغ وسعه من كل هَم..وصفت نفسه وخواطره عن كل قلق..فلا تفاصيل محزنة من بعد اليوم..وإنما اقبال علي عالم غيبي طالما آمن به ولم يره..هو إذن.. علي مقربة منه..لينعم بنسماته العلوية..ويأنس أنسا أبديا ليس فيه سأم أو كدر..

*****

مرت عليه لياليه السابقة وهو يحذر نفسه النكوص أو التراجع، يشجعها ويقويها ويحدثها بحديث البطولة والإقدام حتي لا يتباطأ سير خطوها في اللحظات الفاصلة..يعيش الجميع في دنياهم باحثين عن أهداف كبري ليحققوها، ويضعون لذلك المخططات ويبذلون الغالي والثمين من الوقت والمال..وها هو قد إلتحم مع هدفه العظيم في بوتقة واحدة، وباتت حياته ثمنا لكلمة حق..لها من الأثر في عمق السنين والتاريخ الفائت والقادم ما ليس لغيرها..فشاءت إرادة الله تعالي أن تكون نبضات قلبه الأخيرة..ونزيف دمائه الحارة مدادا لتلك الكلمة فيأخذا من شرفها ونورها ضياء لهما، ومن خلودها وسرمديتها ذكرا لهما..

*****

عند ذلك شعر باشتياق عارم كمن تتعجل نفسه إعلان نتائج إمتحان بذل فيه كل ما امتلك من جهد كثيف، فقام لبقايا ماء وفره من شرابه في تلك الزجاجة الوحيدة المسموح له بها في الزنزانة، جدد وضوؤه وأقبل علي صلاته في خشوع وإطمئنان، ثم أطال في سجوده ودعائه؛ حيث غلب عليه الثناء علي مولاه جلّ وعلا، وشعر بعجز شديد عن حمده وشكر فضله؛ فالحقيقة التي لا ينكرها حيُّ أن الجميع علي أرض تلك الدنيا راحلون مفارقون، إن لم يكن اليوم فالغد، يخشي المنتبه فيهم ميتة السوء، ولحظة الغفلة، وأوقات الفتنة، في حين أنه وهو علي حاله تلك يغلب علي ظنه موعد ميتته، وله من قبلها فراغ طويل للإقبال والإعداد، هذا إذا أغفل تذكر أنه ما يساق إلي موقفه هذا إلا لإقدامه الذي يغيظ العدا، وثباته الذي يقض مضجع الباغي الجائر، وحتي في تلك فقد حاز نجاة من خوف الإدبار والتولي، بل عانق الثبات والصبر والجلد..كهبات ربانية يبذل الصالحون أعمارهم كلها في سبيل طلب واحدة منها..

*****

ختم صلاته ثم فرغ إلي التسبيح والإستغفار، وهنا سمح لبصره أن يتجول فيما حوله قليلا ليتخذ من التدبر والتأمل زادا في ذكره، فمن غير المتاح للجميع أن تقع عينيه بإدراك وغلبة ظن أن ما سيراه هو آخر عهده بعالم الأشياء من حطام الدنيا، لم يكن في الغرفة الكثير مما يلفت النظر، ولكنها حوت القسمات الرئيسة من هذا الحطام، فها هي الجدران المحيطة به المنغلقة عليه، وعلي جسده تلك الملابس الحمراء التي يرتديها من هو مثله، فكل ما حوله إذن ابن لتلك المادة التي تضمنا طوال الوقت، سواء بين الجدران، أو بين طيات الملابس، سواء كان الأمر في تلك الزنازين الضيقة أو في القصور الفارهة، سيان تلك الملابس البالية، أو لبس الغالي والنفيس فالكل من عالم المادة والأشياء التي تحيط بالإنسان وربما أنس لها واطمئن، أو تكدر منها وتأرق، فالمرء في الأغلب من حاله متأثر بها متفاعل معها، منشغل… أما هو فقد فطن مبكرا كيف يمكن تجاوز تلك الحدود، وكيف يمكن مران النفس حتي تنظر ببصيرة تري علي البعد، فتترك هم أسر هذا الجسد الفاني سواء في زنزانة أو في منزل وارف عامر، وتظل تعمل علي ذلك بتوكل ويقين حتي تفز بتلك النفس الوثابة التي تعلو وتقفز وتنطلق حرة في الأفق فلا يمكن أسرها لا بسجن ولا بدنيا..

*****

لم يستطع أن يمسك بتلك الضحكة العالية التي انطلقت من فمه، عندما تذكر كيف استقرت صورة ليلة الإعدام في الوجدان العام، وكيف أنهم لا يعرفون عنها سوي كوة الباب التي يطالع منها السجّان أسيره، والثياب الحمراء القانية التي تبعث علي الهلع والفزع لمجرد مرآها، وهاتيك النافذة المرتفعة التي لا يقوي الأسير علي النظر منها وإن كان يحاول ويجاهد للوصول إلي ذلك في كل وقت..

آه.. آه.. كم يتمني ألا يمضي دون أن يحدث من خلفه بما لم يَخبروه عن تفاصيل تلك الللية وما بها وعالمها هذا الذي جهلوه…..

يزعجهم لون الثياب وكوة الباب وبُعد النافذة، وهي كلها من هذا العالم المرئي الذي تراه العين وتحسه اليد؛ أما الليلة فهي ليست مما ينتمي إلي هذا العالم الذي ينطوي علي تلك الأشياء، بل هي نفحة من عالم غيبي.. يتسرب شذا منه زائرا فيثير كوامن النفس لاستقبال المزيد منه والمزيد، فتأنس وتقبل وتسير إليه حتي يحتويها بالكلية..إنها ضوء ذلك القنديل الذي انبري السجّان كي يمسك به، و كان قد لمح أثرا منه يتمدد من الغرفة إلي خارجها؛ في حين عجز مع تلصصه عن أن يفقه مبعثه أو يطفيء شعاعه، إنها مزيج من تلك البرودة المنعشة التي تسري في الأجساد ترطب عليها حين يكفهر وجه السجّان ضيقا من حرارة الجو المرتفعة، تتماهي مع حرارة شعاع من شمس الشتاء العليلة حين تُجافي أصحاب الحيل، وتزور المظلوم وذا الحاجة فتهبهما دفئا يرصد له غيرهما كل ثرواته عبثا في البحث عنه..

*****

إن الكثير من بني الإنسان قد جُبلوا علي استدعاء معاني الألم والشقاء والأسف، ومن ثم تجد جلهم حين يجتمعون تتداعي علي ألسنتهم الشكاوي والتأوهات يعددونها ويقلبونها علي كل وجه، وقليل منهم من يجتمع ليذكر النعم فيحمد ويرضي، إن الناس لهذا تتذكر جرم قابيل وظلمه، بأكثر من ذكرها صبر هابيل وثباته..

ربما كان إيقاد مشاعر الإبتئاس داخل الذات المتلقية واضرام النيران فيها أيضا مما يساعد علي الاستسلام معه لأسي وشجن فكرة الضحية المغلوب علي أمرها ومن ثم تكن لها الحجج اللاواعية نحو القعود والفتور..في حين أن ادكار فعل المظلوم وصبره وبطولته لهو مما يقيم الحجة علي مدركه فيحدو به نحو عمل وجلد مماثل..

تراءت أمام خاطره كل تلك المعاني سريعة بارقة، فاستجمعها بكليته حتي يكتب من دبيب وقعها في عمق وجدانه كلماته الأخيرة للعالم من حوله، يترجمها لهم من ستصل إليهم عبر الأفق الذي لا يفهم لغاته سوي من تزكت لهم من قبل نفس تدرك الرسائل وتفقهها بلا مداد..
وإلي هنا كان الفجر قد لاح من بعيد، أدي صلاته ثم أغمض عينيه وابتسم.. تاركا من خلفه ذكرياته اللامكتوبة عن سنا “ليلة دافئة”.

المصدر موقع قلم وميدان في 6 مارس 2019

شاهد أيضاً

وائل قنديل

وائل قنديل يكتب: ماذا يقول الخروف الآن؟

دخل ممدوح حمزة، وفي يده خروف، إلى استوديو برنامج يقدمه الممثل هاني رمزي في مساء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *