الثلاثاء , 23 يوليو 2019
أهم الأخبار
الرئيسية 1 إبداعات ثورة 1 سكينة إبراهيم تكتب: مزرعة الزيتون
مرعة الزيتون
مرعة الزيتون

سكينة إبراهيم تكتب: مزرعة الزيتون

 

رفعت الطفلة طرف عينيها ونظرت إلى جدها في وهن، وقد ارتسم على وجهها ألف سؤال وسؤال، وإن كانت لم تستطع أن تعبر لحداثة سنها عن أي منهم، فاكتفت بتلك النظرات الحائرة؛ وكأنها لثقتها في جدها كانت تنتظر منه الإجابة علي هذا الذي لم تتفوه به بعد..!

بادلها الجد نظرات بأخرى حانية شافية لها من جراحات الهم والحزن اللذين زارا وجدانها مبكرًا، فعرفت معنى السهد والأرق؛ رغم أن لسانها ما زال ينطق مفرداتهما بثقل وتلعثم..

كانت الفتاة الصغيرة قد شاهدت بعينها “نمرودا” حين تسلل خلسة إلى مخازن غلة القرية فسرقها ولم يترك فيها ولو كيلة واحدة تكفي لبعض طعام أطفال القرية، بل ضنّ بكل ما سرقه.. وحمّله في أجولة كبيرة اتخذ لها مخبأً خاصًا خلف بيته الكبير، وفي صباح تلك الجريمة صرخت الطفلة في القرية بأكملها، مؤكدة أن عينيها قد وقعتا على اللص وعرفته بيقين، لكن القرية كذبتها وأشارت بأيدي الاتهام إلي والديّ الطفلة، بعد أن أشاع عنهما “نمرود” ما أشاع من بواعث الريبة والظن، مضمنًا ذلك توزيع بعض الغلة على بعض كبراء القرية وأعيانها فتشاركت ألسنتهم معه ما يقول، حتي بات صوت البهتان أعلى من كلمات الصدق التي ينطق بها لسان البراءة والطهر من فم الطفلة الصغيرة.

لم يمض على تلك الجريمة وقت طويل، حين كانت الطفلة تلهو مع بعض صويحباتها من أطفال الجيران، حتى اقتحم عليهم مكان اللعب شبح آدمي ضخم ملثم وأخذ يركض خلف الأطفال الصغار مشهرًا عليهم سلاحه ولسانه معا، لاعنا ساخطا عليهم لما كان لآبائهم من مواقف بطولة وعزة؛ في محاولة الكشف عن سارق الغلة الذي يزور قريتهم كل عام عقب الحصاد.. احتمت الطفلة خلف جذع نخلة ملقى على الأرض فتوارى بالكامل جسدها الهزيل النحيل من فرط الفقر وندرة الطعام حتى لا يكاد أحد يصدق أن هذا الجذع الضامر يمكنه أن يخفي بشرا خلفه حتى وإن كان طفلا..!

وبعد أن أتمّ الجاني مجزرته الدامية التي قتل فيها الأطفال الأبرياء، سقط لثامه من فوق جبهته، فرأت الطفلة نفس الوجه الذي سبق وأن رأته من قبل يسرق الغلة..!

وللمرة الثانية تصحو القرية على صوت صراخ الطفلة ونحيبها وهي تشير بأيديها الصغيرة الواثقة إلى الجاني سافك الدماء، بل وتشرح جريمته لحظة بلحظة.. ولأن الأطفال الضحايا لم يكونوا أبناء أحد من علية القوم أو كبار الملأ، فقد مال الأهالي البسطاء في إسكات صوت النحيب المروع بداخلهم إلى تصديق الرواية الأكثر شيوعًا لتبرير تلك المذبحة المفجعة بأن عفريتًا جنيًا هو من سفك الدماء البريئة بعد أن تجاسر الأطفال وأقدموا على اللعب في مكان راحته الذي اعتاد المكث فيه منذ القدم..!

تناسبت تلك الرواية مع جهل العامة وبساطة تفكيرهم من جهة، وفي الوقت نفسه احتياجهم إلى تفسير يغلق باب هذا الجرح الدامي، ولا يستوجب تبعة قد يفرضها عليهم كشف الحقائق ومواجهة صاحب تلك اليد الماكرة الآثمة.. فاكتفت شفاه العامة بالتلوي حسرة وحزن، وبإشهار أيادي اللوم والعتب على آباء هؤلاء الأطفال الذين فرطوا فيهم حين سمحوا لهم بالذهاب للعب في هذا المكان الذي هو موضع لاستقرار الجان ورفاقهم فقط..

منذ تلك الحادثة وعين “نمرود” لا تبرح تبحث عن الطفلة التي لا يعرف حقيقته يقينا سواها.. يتتبعها ويلهث خلفها، وهي في كل مرة تنجح في الاختباء منه والنجاة من دهائه ومكره. ولم يكن يصدق الطفلة أو يساعدها في ذلك سوى جدها الطيب الحكيم؛ هذا الوحيد الذي لم تنطل عليه ألاعيب “نمرود” وحيله؛ بل بدا له ظاهر الفضح والبيان على كل من لا ترحه سوى الحقائق حتى وإن كانت مريرة قاسية جالبة للعمل الكثيف كنتاج لها..

أخذ الجد حفيدته الأبية ومكث بها أشهرا طوالا يخفيها عن أيدي “نمرود” وذلك في كوخه الصغير الذي اعتاد الاختلاف إليه من آن لآخر يجدد فيه العزم والهمة بعد أن يمضي أياما وليالي يتأمل ويتدبر وسط تلك المزرعة الغنّاء التي لا يلتفت لجمالها وروعة ثمارها الكثير من أهل القرية.. فقد كان الجد يؤمن أن لمزرعة “الزيتون” تلك ما ليس لغيرها من النفحات..

هذا في حين لم يكن أغلب أهل القرية ممن يأملون في تلك المزرعة التي تقع علي التخوم في أقصي بلدتهم..وكأنهم يضنون بأنفسهم أن يعمروا قريتهم حتى آخر بقعة، ويكتفون بما تمنحه لهم الأراضي التي يسكنونها من خير قريب، ينسون في ذلك هؤلاء الأطفال الذين ما إن يشتد عودهم إلا وسيبحثون عن أراضٍ كذلك حتى يقطنوها هم أيضا ويعيشون من خيرها، والأهم من ذلك أنهم يغفلون أو ربما يتغافلون عن هذا اللص الذي عميت عنه أبصارهم؛ إذ يباغتهم في ختام كل موسم حصاد لينهب أغلب ما يزرعون ولا يبقي لهم إلا على ما تنجو به أيديهم خلسة قبل أن يأتي..ومع كل هذا فلم يفكر أكثرهم في زيارة مزرعة “الزيتون” العامرة تلك رغم أن خيرها كان باديا ظاهرا قبل بذل أي جهد فيها أو كدح..

أما الجد الحكيم فقد كان له عقل راجح أنار عينيه فرأى أهمية تلك التخوم، كما فهم حقيقة هذا “الزيتون” التي لا تتوقف عند كونه ثمرا.. بل إن من خبره يعرف أن فضائله أكبر بكثير من الطعام أو الشراب.. اتخذ الجد منذ كهولته كوخا في أطراف المزرعة، وراح يرقب نمو “الزيتون” عن كثب فخبر ما يمكن أن يمثله من أهمية وما يضمره من فضائل وشمائل جمة..

طمأن الجد حفيدته ولبث بها في هذا الكوخ بعيدا عن تلصص “نمرود” وعبثه، ولكن الفتاة كانت مؤرقة تخشى أن يصيب هذا المكان الجميل أيضا ما أصاب بقية أجزاء القرية من تلف أو سرقة، لكن الجد أكد لها أن لتلك المزرعة ميزات خاصة يغفل عنها “نمرود” نفسه، وما إن تحدثه نفسه بزيارتها للعبث بها أو بمن فيها، إلا وسيحل عليه ما لم يكن يحسب له أو يخطر له على بال..

أشهر قليلة مضت بعد ذلك.. انتهى “نمرود” فيها من العبث بأكثر ما في القرية من خيرات، ثم حدثه “هرتزل” – أحد اللصوص المختبئين في القرية المقابلة – عن رغبته في شراء مزرعة “الزيتون” حتى يدخر فيها شيئا من تلك الخيرات التي يسرقها من غلال القرى المجاورة، ويفوز “نمرود” في ذلك بغلة مضافة يضعها له “هرتزل” في مخازنه دون علم أحد..لكن شرط تلك الصفقة أن يتسلم “هرتزل” الأرض فارغة لا يعلوها أي شجر، أو يقطنها أي إنسان..

وبالفعل.. بدأ “نمرود” في إنفاذ خطته؛ حيث تسلل كعادته ودون أن يشعر أحد فأشعل النيران في أشجار “الزيتون”، وفي كافة الأكواخ والخيام الظاهرة، وبالفعل احترق كوخ الجد الحكيم، ومع ذلك فقد أمسك الجد بيد حفيدته وطمأنها، مؤكدا لها ثقته ويقينه أن تلك المزرعة هي ما سيكتب نهاية نمرود ويفضحه.. ولم يمض الكثير من الوقت حتى تعالت النيران التي دبت في أشجار “الزيتون” وقد كانت في موسم حصاد، فلم يخرج من الثمار سوى ضياء وأنوار ساطعة كشفت عن موقع اللص ومكان اختبائه، حتى لم يلبث أحد إلا وقد رآه وعرفه من شدة ما تسلط على وجهه من ضوء كاشف عاكس كضوء الشمس في كبد السماء، تطاير كذلك زيت الثمار اليانعة وكتب بصبغه الكثيف اسم “نمرود” على كل جدار وفي صفحة كل سماء ظاهرة، حتى لم يبق شكل من أشكال الفضح إلا وقد ناله “نمرود” وافتُضح به..

نظرت الفتاة باطمئنان إلى وجه جدها الحكيم الذي لم يتخل عنها قط، ولم يكذبها في الأمل الذي أنار به قلبها حين المحنة.. وتأهبت معه لمصاحبة أهل القرية الذين اجتمعوا لأخذ قصاصهم العادل من “نمرود” الذي سرقهم لسنوات، وقتل وسفك دماء أبنائهم..

فما هي سوى لحظة من عمر الزمن وثبات بيقين في قلب مؤمن، إلا وقد حلّ أوان سقوط الطاغية بسبب أهون من أن يتخيله عقل.. فقد انتوى وتأهب لسرقة ثمار مباركات واجتثاث أشجارها، فحاربته الأرض الطيبة حتى صرعته.. في حين فرّ “هرتزل” وقد أخذ الشباب في تعقبه لدحره.. والقضاء على طغيانه وظلمه.

المصدر صفحة سكينة ابراهيم بموقع الفيسبوك في 26 ابريل 2019

شاهد أيضاً

الرئيس مرسي والعقيدة العسكرية للجيش

الرئيس مرسي والعقيدة العسكرية للجيش

منذ اللحظة الأولى بعد تولي الرئيس محمد مرسي رئاسة الجمهورية وتنصيبه قائداً أعلى للقوات المسلحة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *