السبت , 28 نوفمبر 2020
أهم الأخبار
الرئيسية 1 مصر بعد 3 يوليو 1 تحليلات سياسية 1 شروط النهضة عند المفكر الجزائري مالك ابن نبي
مالك ابن نبي شروط النهضة
مالك ابن نبي شروط النهضة

شروط النهضة عند المفكر الجزائري مالك ابن نبي

خْلص المفكر الإسلامي -ذو الأصول الجزائرية- مالك بن نبي عليه رحمة الله،في كتابه “شروط النهضة”، الذي قيَّده بالنشر عام 1948، إلى أن العالم الإسلامي يُولي منذ نصف قرن اهتمامه بجمع أكوام من منتجات الحضارة، أكثر من اهتماماً ببناء حضارة، وهذه العملية قد تؤول ضمناً إلى التَّحصل على نتيجة ما؛ بمقتضى ما يسمى بقانون الأعداد الكبيرة (قانون الصُّدفة).

ذلك أن الكَوْم الضخم من المنتجات المتزايدة –بحسب تعبيره- يُمكن أن يُحقِّق على المدى البعيد من الزمن وبدون قصد “حالة حضارة”، على أنَّ ثمة فرقاً شاسعاً بين هذه الحالة الحضارية، وبين تجربة مُخطَّطة.
وهذا يُبرهن أن الواقع الاجتماعي خاضع لنهج فني معين تَجُوز عليه قوانين الكيمياء الحيوية والديناميكية الخاصة؛ سواء في تكونه أم في تطوره.

حضارة = إنسان+ تراب+ وقت
الحضارة تقع بين حدين اثنين هما الميلاد والأفول، وإن إقامة أي حضارة مرهونة بتوافر مُقوِّماتها وعُدَّتها المادية الرئيسة:
• الإنسان؛ حيث هو يُدْلي بدلوه في المجتمع بأشكال ثلاثة تتمثل في: فكره، وعمله، وماله. وعليه فهو تعوزه -أي الإنسان- ثلاثة توجيهات هي: توجيه الثقافة، وتوجيه العمل، وتوجيه رأس المال.
• التراب.• الوقت.
والمجتمع الإنساني يمكنه أن يستغني عن مكتسبات الحضارة، غير أنه لا يمكنه بحال من الأحوال أن يتنازل عن هذه العناصر الثلاثة (الإنسان، والتراب، والوقت) التي هي رأس مال الأمة الاجتماعي.
جملة القول.. إن الوسيلة إلى الحضارة متوافرة ما دامت هنالك فكرة دينية تؤلف بين العوامل الثلاثة (الإنسان، والتراب، والوقت)؛ لتُركِّب منها كتلة تسمى في التاريخ حضارة.
وقد تحقق هذا حين كانت الدول المتقاتلة في الحروب العالمية، لا تقوِّم خسارتها في الحرب بالذهب والفضة بل بساعات العمل؛ أي بقيم من الوقت، ومن الجهود البشرية، ومن منتجات التراب.

مشكلة الشعوب
يؤكد مالك بن نبي أن جَوْهر مشكلة كل شعب تكمن في حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يَرْق بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فَهْم العوامل التي تَبْني الحضارات أو تَهْدمها.
وما الحضارات المعاصرة، ولا الحضارات الماضي، ولا الحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن؛

فهي حلقات لسلسلة واحدة تُؤلِّف المَلْحمة البشرية منذ أن أُهبط آدم على الأرض، إلى آخر وريث له فيها.
وهكذا تلعب الشعوب دورها، وكل واحد منها يُبعث ليكوِّن حَلَقَته في سلسلة الحضارات، حينما تدق ساعة البعث معلنة قيام حضارة جديدة، ومؤذنة بزوال أخرى.

الحضارة الأولى
الكلمة تُسْهم إلى حد بعيد –وَفْقَ مالك بن نبي- في خَلْق الظاهرة الاجتماعية؛ فهي (أي الكلمة) ذات وَقْع شديد في ضمير الفرد، لأنها تدخل إلى سُوَيداء قلبه فتستقر معانيها فيه لتحوله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة.
وإنه لتفكير سديد ذلك الذي يرى أن تكوين الحضارة كظاهرة اجتماعية، إنما يكون في الظروف والشروط نفسها التي وُلدت فيها الحضارة الأولى، كان هذا صادراً عن عقيدة قوية ولسان يستمد من سحر القرآن وتأثيره؛ ليذكر الناس بحضارة الإسلام في عصوره الزاهرة.

وَثَنِيَّة الجهل

مِنَ المَقْطوع به أن القرآن الكريم أطلق اسم الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام، ولم يشفع لهم شعر رائع وأدب فذ من إطلاق هذا الوصف عليهم؛ لأن التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة الخالية من كل عنصر خلاَّق أو فكر عميق.
وإذا كانت الوثنية في نظر الإسلامية جاهلية، فإن الجهل في حقيقته وثنية؛ إذ إنه لا يغرس أفكاراً بل هو يُنصِّب أصناماً.
التَّأهل النفسي للاستعمار

لا يحق لنا أن نغفل الحقائق؛ فالحكومة مهما كانت فما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تَبَعاً للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه، فإذا الوسط كان نظيفاً حراً فما تستطيع الحكومة أن تواجهه بما ليس فيه، وإذا كان الوسط مُتَّسماً بالقابلية للاستعمار فلا بد من أن تكون حكومته استعمارية.
وهذه الملاحظة الاجتماعية تدعونا لأن نقرر أن الاستعمار ليس من عبث السياسيين ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها التي تَقْبل ذل الاستعمار التي تُمكِّن له في أرضها.
وليس يَنْجو شعب من الاستعمار إلا إذا نَجَت نفسه من أن تَسْتمرأ ذل المستعمر، وتخلصت من تلك الروح التي تؤهله للاستعمار، كما لا يذهب كابوسه عن الشعب -كما يتصور بعضهم- بكلمات أدبية أو خطابية، وإنما بتحول نفسي يصبح الفرد معه شيئاً فشيئاً قادراً على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديراً بأن تُحترم كرامته، وحينئذ يرتفع عنه طابع القابلية للاستعمار.
وبالتالي فإنه لن يقبل بحكومة استعمارية تنهب ماله وتمتص دمه؛ فكأنه بتغيير نفسه قد غَيَّر شأن حاكميه تلقائياً إلى الشأن الذي يَرْتضيه.
ولا ريب في أن الأزمة السياسية تعود في تعقيدها إلى أننا نَجْهل أو نتجاهل القوانين الأساسية التي تقوم عليها الظاهرة السياسية، التي تَقْتضينا أن نَسْتحضر في اعتبارنا دائماً صلة الحكومة بالوسط الاجتماعي؛ كآلة مُسيِّرة له تتأثر به في الوقت عينه.
وفي هذا دلالة على ما بين تغيير النفس وتغيير الوسط الاجتماعي من علاقات متينة، ولقد قال الكاتب الاجتماعي بورك: “إن الدولة التي لا تملك الوسائل لمُسَايرة التغيرات الاجتماعية، لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها”.

عَقْليَّتنا تُؤخِّر نهضتنا

ومن الواضح أن السياسة التي تجهل قواعد الاجتماع وأُسسه، لا تستطيع غير أن تكون دولةً تقوم على العاطفة في تدبير شؤونها، وتستعين بالكلمات الجوفاء في تأسيس سلطانها، ولن نستطيع فَهْم هذه الملاحظات الاجتماعية إلا إذا فهمنا الآية الكريمة التي اتخذها العلماء شعاراً لهم في تأسيس دعوتهم (إنَّ اللهَ لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم).

ومع ما استجلبناه من مصر (الفاروقية) من الأسطوانات والأشرطة السينمائية المجافية للفن والأخلاق، فإننا قد استجلبنا منها أيضاً أُسساً لسياستنا تقوم على أفكار تُضلِّل العقول البسيطة، كان لها أسوأ تأثير في حياتنا.

ولقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغبات، بل فيما يسودنا من عادات وما يُراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية بما فيها من قيم الجمال والأخلاق، وما فيها أيضاً من نقائص تعتري كل شعب نائم.

إن جوهر المسألة هو مشكلتنا العقلية، ونحن لا زلنا نسير ورؤوسنا في الأرض وأرجلنا في الهواء، وهذا القَلْب للأوضاع هو المظهر الجديد لمشكلة نهضتنا.

بَيْنَ علاج العَرَض وعلاج المَرَض

إن من الواجب أن نَضْع نُصْب أعيننا المرض بالمصطلح الطبي، لكي تكون لدينا عنه فكرة سليمة؛ فإن الحديث عن المرض أو الشعور به لا يعني بداهة الدواء.
ونجد أن كل مصلح قد وصف الوضع الراهن تَبَعاً لرأيه ومزاجه أو مهنته؛

فرجل سياسي كجمال الدين الأفغاني يرى أن المشكلة سياسية تُحَلُّ بوسائل سياسية، بينما رأى شيخ كمحمد عبده أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ.
في حين أن كل هذا التشخيص لا يتناول في الحقيقة المرض، بل يتحدث عن أعراضه، وأسفر عن هذا أنهم منذ 50 عاماً لا يعالجون المرض وإنما يعالجون الأعراض، وليس هناك في الواقع سوى طريقتين لوضع نهاية لهذه الحالة المرضية: فإما القضاء على المرض، وإما إعدام المريض.

ولنا أن نتساءل حينئذ إذا ما كان المريض الذي دخل الصيدلية دون أن يدرك مرضه على وجه التحديد: “هل ذهب بمحض الصدفة لكي يقضي على المرض، أو هل هو يقضي على نفسه؟”.

هذا هو شأن العالم الاسلامي؛ إذ إنه دخل إلى صيدلية الحضارة الغربية طالباً الشفاء ولكن من أي مرض؟ وبأي دواء؟ وبديهي أننا لا نعرف شيئاً عن مدة علاج كهذا، ولكن الحالة التي تطَّرد هكذا تحت أنظارنا منذ نصف قرن لها دلالة اجتماعية يجب أن تتبوأ فينا مَوْضع تأمل وتحليل.

فالعالم الاسلامي يتعاطى هنا (حَبَّة) ضد الجهل، ويأخذ هناك (قُرْصاً) ضد الاستعمار، وفي مكان قَصي يتناول (عَقَاراً) للتعافي من الفقر، ويبني هنا مدرسة ويطالب، هنالك باستقلاله؛ أي أننا لن نجد حضارة، فليس من عوامل إنشاء حضارة أن نشتري كل المنتجات الأخرى.

فسادُ جَدْوى استيراد الحلول

من غَيْر الجائز لأحد طَرْحُ الحلول دون أخذ اعتبار مكان الأمة ومَرْكزُها؛ إذ يقوم على عاتق مُقدِّم الحلول الانسجام بأفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته.
أما استيراد حلول جاهزة من الشرق أو الغرب، ففيه تَضْييع للجهد ومضاعفة للداء؛ إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار.
وإننا لنجد في القرآن الكريم النصَّ المبدئيَّ للتاريخ التكويني (إنَّ اللهَ لا يُغيِّر ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم)، وينبغي ألا نُقرر هذا المبدأ حسب إيماننا به فحسب، بل يجب أن يكون تقريره أيضاً في ضوء التاريخ.

شاهد أيضاً

download

وائل قنديل يكتب: محمد رمضان في مجمع الخالدين

ما الفرق بين نظام عبد الفتاح السيسي، بوصفه ترسًا في آلة نظام إقليمي تتصدّره إسرائيل ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *