الثلاثاء , 25 فبراير 2020
أهم الأخبار
الرئيسية 1 سلايدر 1 عز الدين فشير يكتب: العلمانيون والإسلاميون يحتاجون لإنهاء حربهم الأهلية
الثورة

عز الدين فشير يكتب: العلمانيون والإسلاميون يحتاجون لإنهاء حربهم الأهلية

مر أكثر من قرن على الصراع الدائر بين العلمانيين والإسلاميين في الشرق الأوسط دون تحقيق نتيجة تذكر سوى ترسيخ الحكم السلطوي. ومع ذلك، فمن السذاجة دعوتهم لتنحية خلافاتهم والتوحد لمواجهة الديكتاتورية. فالخلافات بين الإسلاميين والعلمانيين حقيقية وعميقة، والتظاهر بالوحدة – كما حدث خلال الربيع العربي – يأتي بعكس النتيجة المرجوة ويزيد من حدة انعدام الثقة بينهم.

ما يحتاجه الإسلاميون والعلمانيون ليس البحث عن تحالف مستحيل بينهم، وإنما بناء إطار للتعايش السلمي يسمح لهم بالخروج من دائرة العلاقة الصفرية التي تربطهم. وهذه خطوة أولى ضرورية لإرساء قواعد الحكم الديمقراطي في الشرق الأوسط.

وفوق ذلك كله، يرى كل طرف أن وجود الطرف الآخر نتيجة لتشوهات تستدعي التقويم.

فالعلمانيون يرون الإسلام السياسي تشويها للإسلام والسياسة معا. فالإسلام في نظرهم دين، تسمح نصوصه بتفسيرات متعددة تطورت تاريخيا مع تطور المجتمعات. ومن ثم فاستخدام السياسة لفرض رؤية محددة للدين يؤدي لعنف شديد ويتعارض في نهاية المطاف مع غايات الدين والسياسة معا. وتمثل تجربة “الدولة الإسلامية في العراق والشام” صورة متطرفة لما يمكن أن ينتج عن هذا.

ويعزو العلمانيون صعود الإسلام السياسي إلى انتشار الجهل، والتحلل الاجتماعي الاقتصادي، وفشل الأيديولوجيات العلمانية، والتدخل الأجنبي وتراكم الغضب التاريخي لدى المسلمين. وبالتالي يسعون لمعالجة – أو إزالة – الإسلام السياسي عن طريق استراتيجية متكاملة تشمل التعليم ومحاربة الفقر وتحسين الحكم. وعادة ما يلومون النظم السلطوية لفشلها في تطبيق مثل هذه الاستراتيجيات المتكاملة بشكل فعال، إما تواطئا مع الإسلاميين أو لاستفادتهم سياسيا من استمرار وجودهم.

المشكلة أن العلمانيين طبقوا فعلا هذه الاستراتيجيات وفشلوا في القضاء على الإسلام السياسي. طبقوها خلال الحقبة الاستعمارية كما طبقوها تحت قيادة زعماء الاستقلال الوطني مثل مصطفى كمال أتاتورك في تركيا و جمال عبد الناصر في مصر. طبقوها تحت قيادة ديكتاتوريين عسكريين مثل صدام حسين وحافظ الأسد كما طبقوها تحت قيادة زعماء مدنيين تحديثيين مثل رضا بهلوي شاه إيران والحبيب بورقيبة في تونس .

ولم تنجح أي من هذه الاستراتيجيات. آجلا أو عاجلا أطل الإسلام السياسي برأسه مجددا واستولى على الحكم بالقوة مثلما حدث في إيران عام ١٩٧٩ أو تدريجيا مثلما حدث في تركيا منذ ٢٠٠٢، أو أصبح قوة سياسية رئيسية مثلما هو الحال في مصر وتونس. ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن هذه الاستراتيجيات التي فشلت في الماضي ستنجح اليوم إن طبقت؛ الإسلام السياسي، سواء حاربته أم لا، ليس مجرد ظاهرة عارضة.

على الجانب الآخر، يرى الإسلاميون العلمانيين باعتبارهم تشوها. ففي رأيهم، يشكل العلمانيون أحد مظاهر الغزو الثقافي والعمالة للغرب؛ فالعلمانيون العرب والمسلمين عناصر مغتربة عن ثقافتها، لا تستطيع الحفاظ على سيطرتها إلا باستخدام القوة – غالبا في شكل ديكتاتوريات مدعومة من قبل الدول الغربية. وبالتالي فعلمانيو الشرق الأوسط هم في حقيقة الأمر مجموعة من المنافقين، يتظاهرون بتأييد الديمقراطية لكنهم غير مستعدين لقبول الانتخابات الحرة مخافة أن تأتي بالإسلاميين للحكم.

وفقا لهذه النظرة، فإن العلمانية فيروس أصاب المجتمعات المسلمة. وفي حين يبدي الجهاديون استعدادا لاقتلاع هذا الفيروس بالقوة، فإن الجناح المعتدل من الإسلاميين يبدي صبرا أكثر ويدعو لإعادة أسلمة المجتمع تدريجيا حتى “تذوي” مظاهر التغريب هذه.

المشكلة أن الإسلاميين جربوا كلا المنهجين وفشلوا في القضاء على العلمانية. الطريقة الجهادية فشلت وأدت لنتائج عكسية – على الأقل فيما يتعلق بالتأييد الشعبي لهم. المنهج التدريجي الذي اتبعه الإخوان المسلمون والتنظيمات المشابهة كان أكثر نجاحا، لكن بعد مرور مائة عام على ظهوره لا يزال الإسلام السياسي يخوض صراعا مع العلمانيين. وحتى حين تمكن الإسلاميون من الوصول للحكم، مثلما حدث في إيران والسودان حيث طبقوا سياسات لأسلمة المجتمع تغطي كل شيء من النساء إلى الكتب، مازالت العلمانية حية تنبض. حتى السعودية التي قامت على الإسلام الوهابي تشغى بمطالب التحرر.

لا يمكن القضاء على العلمانية ولا على الإسلام السياسي، مهما بلغت درجة عنف وشمولية الاستراتيجية المتبعة. كل ما يحققه هذا الصراع هو استمرار للمعاناة وللفرص الضائعة لإقامة نظم حكم رشيدة حيث تصبح الديكتاتورية ضرورية لإبقاء الطرف الآخر – أو الطرفين – بعيدا عن سدة الحكم.

الإسلاميون والعلمانيون يحتاجون ميثاقا يسمح لكل منهما بمواصلة التنافس والتنفس حين يكون الآخر في الحكم. هذه مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة: فالعالم مليء بأمثلة من مجتمعات سارت على هذه الدروب من قبلنا. لقد قتلت الأطراف المتحاربة في حرب الثلاثين عاما الألمانية خمس السكان ودمرت اقتصاد البلاد دون أن تحقق انتصارا ذي معنى، وفي النهاية اضطرت للقبول بالتعايش السلمي.

ومثلما هو الحال في أي حرب أهلية، فإن العقبة الأكبر التي تعترض التعايش السلمي بين الإسلاميين والعلمانيين في الشرق الأوسط هي اقناع الأطراف الرئيسية من الجانبين باستحالة النصر وبالحاجة لحلول وسط لا يحبها الكثيرون. وحتى يحدث هذا سيستمر الصراع بينهم وتظل الديمقراطية هدفا عصي المنال.

…..

 المصدر : الواشنطن بوست

الثلاثاء 14 يناير 2020

شاهد أيضاً

عامر شماخ

عامر شماخ يكتب: استراتيجية الجهل والتغييب!

منذ سبع سنوات والمصريون رهن إستراتيجية وضعها الانقلابيون تكرِّس الجهل والأوهام لدى المواطنين، وأعتقد أن ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *