الثلاثاء , 29 سبتمبر 2020
أهم الأخبار
الرئيسية 1 إبداعات ثورة 1 كيف تم إسقاط الدكتاتوريات العسكرية؟(1)
كيف انتصر الشعب الكوري علي الدكتاتورية العسكرية
كيف انتصر الشعب الكوري علي الدكتاتورية العسكرية

كيف تم إسقاط الدكتاتوريات العسكرية؟(1)

يعاني العالم العربي من الدكتاتورية العسكرية منذ انتهاء حقبة الاستعمار، وتعاود الانظمة العسكرية الآن بشراسة بعد ثورات الربيع العربي.  اعاقة المسيرة التنموية والديمقراطية على طول التراب العربي لمدة زادت عن نصف قرن، ولا زال ممسكًا بتلابيب السلطة،  وتدعي هذه الدكتاتوريات  انها الوحيدة القادرة على إدارة البلاد، على الرغم من أن الإحصاءات والأرقام في العالم كله تخبرنا أنه أينما حل الحكم العسكري هربت التنمية.

في الوقت التي تتوق فيع النفوس في العديدة من دول العالم العربي، رافضة للمصير المفروض عليها قهرًا بقوة السلاح؛ إذ تتقلص فرص العيش الكريم وتُخرب البيوت وتُعمر السجون، وتخوض الأنظمة القمعية العسكرية حربًا شرسة ضد شباب أمتها، لكن يبقى السؤال عند الراغبين في التغيير: كيف التغيير؟ وأين السبيل إلى الديمقراطية والتنمية والكرامة الإنسانية؟ وكيف يحدث كل هذا في ظل أنظمة قمعية ربما لم يشهد العالم العربي مثيلًا لها في السابق؟ وهل يمكن أن يتم التغيير دونما حروب أهلية ولا دماء جديدة؟

وفي عالم عربي لم يعد يقدر أن يتخيل مستقبلًا سياسيًا لا تصادره قوة السلاح، ومن خلال مجموعة من التقارير والدراسات الموسعة، نحاول ان  نتعمق في تجارب دول كانت لها تجارب مشابهة استطاعت أن تنجو من الدكتاتوريات العسكرية.

يأخذك هذا الملف في رحلة للنظر إلى للواقع بشكل أكثر عمقًا وربما من خلال الفحص الدقيق وقراءة دروس التاريخ القريب، يعيد بشكل من الأشكال إعادة النظر في قدرة الإرادة الإنسانية حتى في أحلك الظروف، في عصر يسود فيه التشاؤم التام.

العسكريون يقرأون من نفس الكتاب عادة؛ فالتشابه بين التجارب في الدول المختلفة التي حكمها العسكريون كبير إلى حد قد يصل إلى التطابق أحيانًا.

نكشف  في التقارير التالية كيف تشابهت تجارب الحكومات العسكرية الدكتاتورية من أمريكا الجنوبية إلى أفريقيا، وكيف أبدعت الشعوب طريقها للتحرر.

كيف أسقطت شيلي جنرالًا مجنونًا جاء على ظهر دبابة؟

 

احتجاجات-تشيلي

نظام عسكري وصل للحكم على الدبابات وبمساعدة المخابرات الأمريكية ويحكم بالحديد والنار بدعم كامل من أكبر قوة في العالم (أمريكا) ويقمع أي معارضة أو احتجاج بعنف مفرط لنشر الخوف بين صفوف الشعب، هل يمكن إسقاط نظام كهذا؟ في هذا التقرير نتعرف على نضال شعب تشيلي للتخلص من دكتاتورية بينوشيه العسكرية ومدى قوة المقاومة السلمية (اللاعنف) إذا اقترنت بتعاون مجموعات المعارضة المختلفة.

سنجعل اقتصاد تشيلي يصرخ

هذا ما قاله الرئيس الأمريكي نيكسون بعد وصول رئيس تشيلي المنتخب سلفادور أليندي للحكم عام 1970، ويمكن القول إن أمريكا نجحت بالفعل في إفشال تجربة الرئيس الماركسي؛ واشتعلت الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات التي مهدت بعد ذلك للانقلاب العسكري الذي حدث في 11 سبتمبر (أيلول) 1973، بقيادة الجنرال بينوشيه ضمن عملية كوندور.

ولم يكن هذا الانقلاب عاديًا؛ فقد حاصر الجيش القصر الرئاسي وقصفه بالطائرات الحربية، وتحت هذه الظروف (انتحر أو قُتل) الرئيس اليساري سلفادور أليندي بشكل غامض. وبعد هذه الأحداث نصب أوغستو بينوشيه نفسه زعيمًا لتشيلي وأنشأ دكتاتورية عسكرية بمشاركة كبيرة من جيشه؛ إذ اغتال العديد من كبار المسؤولين في حكومة أليندي، وأغلق الصحف، وعسكر الجامعات وأُعدم أو أُخفى أكثر من 3آلاف و200 شخص، واحتجز وعذب وأخفى عشرات الآلاف غيرهم.

ودعمت أمريكا بينوشيه اقتصاديًا بقوة، حتى أن السلع النادرة عادت إلى الرفوف بعد الانقلاب مباشرة بشكل مشبوه، وبدأت حكومة بينوشيه في إقامة إصلاحات اقتصادية نيوليبرالية كبيرة أدت إلى تحول جذري في الاقتصاد، ورغم تضخم الدين العام للحكومة شهد الاقتصاد تحسنًا كبيرًا لعدة سنوات حتى حدوث الأزمات الاقتصادية الكبيرة عام 1982

نضال طويل من الاحتجاجات المبتكرة رغم القمع

تفنن نظام بينوشيه في استخدام أساليب تفتيت وتفريق المعارضة لتسهيل قمعها ونشر الذعر بين الناس، ورغم العنف والخوف الذي منع الناس من التظاهر لنحو 10 سنوات، بدأت الجماهير تحتج وشرعت المعارضة بالتعاون ثانية في عام 1983 بعد ظهور الأزمات الاقتصادية التي اشتعلت في عامي 1982 و1983.

ومع أن الديكتاتور حاول إضعاف المنظمات النقابية إلا أنها ظلت في مقدمة المعارضة، وساهمت هذه النقابات ولا سيما اتحاد عمال النحاس (CTC) بقيادة رودولفو سيجيل، بنمو الاحتجاجات الشعبية ضد النظام.

وفي 11 مايو 1983 دعا اتحاد عمال النحاس (CTC) إلى الاحتجاج الأول، والذي حظي بدعم قادة العمال الوطنيين والعديد من زعماء أحزاب المعارضة (من الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي المسيحي). في البداية جرى التخطيط لهذا اليوم بأن يكون إضرابًا لعمال المناجم، لكن اتضح للمنظمين أن هذا الإضراب سوف يُقابل برد دموي من النظام، خاصة بعد أن حاصرت القوات الحكومية المناجم، لذلك جرى تغيير الفاعلية لتكون يوم احتجاج وطني لا مركزي، ودعوا الناس للسير والقيادة ببطء في الشوارع وعدم شراء أي شيء أو إرسال الأطفال إلى المدرسة وإطفاء الأنوار في الليل، ثم إصدار وابل من الضوضاء في الساعة الثامنة مساءً، عن طريق الطرق على القدور والمقالي، وإطلاق أبواق السيارات.

ساعدت هذه الاحتجاجات اللامركزية منخفضة المخاطر على تقليل خوف الناس وتطوير شعور بالثقة بين المعارضة؛ وردت الشرطة بعنف على هذا الإجراء، فاعتقلت 600 وقتلت العديد من المحتجين. ومع ذلك فإن الإجراء حشد الكثير من التشيليين الذين سئموا من الديكتاتورية العسكرية.

بعد نجاح هذا الاحتجاج الأول، بدأت المعارضة في تنظيم الاحتجاجات بصفة الشهرية. ونمت المشاركة مع كل احتجاج، فانضم الطلاب والطبقات الفقيرة من جميع أنحاء البلاد إلى الحملة. ساعدت الأحزاب السياسية المعارضة التي شكلت تحالفًا ديمقراطًيا في أغسطس (آب) 1983 وكذلك الكنيسة الكاثوليكية؛ على تعبئة الأعداد المتزايدة من المعارضين، فيما نشرت مجموعات من الصحافيين أخبارًا عن الاحتجاجات خلال الصحف والمجلات والإذاعة رغم القمع، إذ إن حرية الصحافة كانت قد بدأت بالازدياد في ذلك الوقت، لكن النظام كان لا يزال مسيطرًا بقوة على التلفزيون.

وفي ظل هذه الأجواء القمعية اشتعلت العلاقة الطردية بين القمع والتمرد العنيف، وشن تحالف يساري متشدد هجمات عنيفة ضد نظام بينوشيه بحلول نهاية عام 1983، وتصاعدت الهجمات في أوائل العام التالي بأكثر من 700 تفجير حول البلاد، وتضمنت الهجمات تفجيرات بمترو الأنفاق وأعمدة الكهرباء. وردت الحكومة باعتقال العديد من الشباب وزيادة القمع.

استخدم النظام فزاعة التمرد المسلح لقمع المعارضة السلمية خلال الاحتجاجات الشهرية، رغم رفضت المعارضة السلمية (اللاعنفية) الأساليب العنيفة لمقاومة النظام، واستمرت مجموعات المعارضة في التنظيم على مستوى القواعد الشعبية، خاصةً «جمعية السلام والعدالة (SERPAJ)» التي تتخذ من الكنيسة مقرًا لها، إذ كانت تدرب المعارضين على أساليب الاحتجاج السلمية (اللاعنف)، وتدرس تجارب الكفاح السلمية الناجحة.

بالإضافة إلى الاحتجاجات الشهرية استخدم المعارضون أساليب وتكتيكات احتجاجية عديدة مثل: «تظاهرات البرق»، وهي تظاهرات قصيرة بمشاركة أعداد قليلة من الأشخاص، من أجل سهولة التفرق بسرعة  قبل وصول الشرطة، وإلقاء المنشورات من الطوابق العليا للمباني الشاهقة، وغناء الناس في الشوارع «سوف يسقط.. سوف يسقط» الذي أزعج بينوشيه كثيرًا لدرجة أنه حظر الغناء، وغيرها من التكتيكات.

رغم شدة وعنف النظام العسكري في تشيلي فقد سمح ببعض التنفيس عن المعارضة، إذ زادت الحكومة قليلًا من حرية الصحافة، وسمحت للمنفيين السياسيين بالعودة إلى البلاد، وعقد النظام اجتماعات مع جماعات المعارضة السياسية. وفي عامي 1983 و1984، استفاد التحالف الديمقراطي من سماح بينوشيه لاثنين من المظاهرات الجماهيرية، وحشد تحالف المعارضة مئات الآلاف من المواطنين للمشاركة في هاتين المظاهرتين لمعارضة الحكومة.

وبعد مقتل ثلاثة من أعضاء «الحزب الشيوعي» في عام 1985 على أيدي قوات الأمن عقد رئيس أساقفة سانتياغو اجتماعًا بين المعارضة والأحزاب السياسية الموالية للنظام. بعد اجتماعات لاحقة، وقعت الأطراف على الوفاق الوطني للانتقال إلى الديمقراطية الكاملة، لكن نظام بينوشيه رفض الاتفاق. وفي وقتًا لاحق تراجعت قوات الشرطة عن الاستمرار في أعمال القمع، واستلم الجيش مهمة القمع واحتل الجنود والدبابات العاصمة سانتياغو.

وحظي هذا الوجود العسكري باهتمام دولي عندما تزامن إضراب عمالي كبير مع اجتماع الاتحاد البرلماني الدولي في سانتياغو في مايو 1986؛ ونشرت وسائل الإعلام الدولية المزيد من الاخبار والمعلومات حول النضال المعارض داخل تشيلي. وبدأت دول أوروبا وأمريكا الشمالية في الدعوة بشدة إلى الانتقال إلى الديمقراطية داخل تشيلي، ودعم أعمال جماعات المعارضة داخل البلاد.

في 2 يوليو 1986، أشعل جنود بينوشيه النار في فتاتين معارضتين أحياء، وفي سبتمبر 1986 حاول المتمردون المسلحون اغتيال بينوشيه، ودمروا معظم موكبه، وقتلوا خمسة من حراسه، لكن بينوشيه نجا، فوحد هذا الهجوم من دعم المقاومة السلمية للنظام، وأصبح أمل المناضلين في التحول نحو الديمقراطية بالانتصار في استفتاء بقاء بينوشيه في الحكم.

معركة إسقاط الدكتاتور في الاستفتاء

في عام 1987 أعلن بينوشيه إجراء استفتاء وطني على بقائه في السلطة. لكن لماذا سمح الدكتاتور ببعض الشفافية والتنازلات الديمقراطية في استفتاء عام 1988؟ هناك بعض الجدل حول هذا الأمر؛ إذ يرى البعض إن الظروف الدولية وتراجع الديكتاتوريات في مناطق أخرى من العالم، وتحول تركيز الولايات المتحدة من مكافحة الشيوعية إلى قضايا أخرى، أجبر بينوشيه على الظهور أكثر انفتاحًا على الديمقراطية.

ويشير آخرون إلى أن زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى تشيلي عام 1987 كانت مؤثرة في إقناع بينوشيه بالسماح للاستفتاء بالمضي قدمًا.

بينما يرى آخرون أن بينوشيه سمح بهذا الاستفتاء لاعتقاده أنه سيفوز وستهدأ الاضطرابات العامة ويزيد من شرعيته في الداخل والخارج.

انتهزت جماعات المعارضة هذه الفرصة ونظمت حملة موحدة لهزيمة بينوشيه؛ وشكلوا «ائتلاف الأحزاب من أجل لا». وسمح النظام بتخصيص 15 دقيقة من وقت التلفاز كل يوم للدعاية السياسة لكل جانب منهما. وكان هذا الوقت قليل جدًا لحملة «لا» مقارنة بحملة الموافقة «SI»؛ نظرًا لأن جميع القنوات التلفزيونية كانت خاضعة لسيطرة الحكومة، ودعمت بينوشيه في الاستفتاء العام.

ومع ذلك استغلت المعارضة هذا الوقت للوصول إلى جمهور واسع من التشيليين. وتحدثت حملة «لا» التلفزيونية في البداية عن جرائم نظام بينوشيه وأعمال القمع، لكن بدا أن تأثير الدعاية التي تتحدث عن الماضي ضعيف، فحولت الحملة دعايتها إلى رسائل تمس تسبب النظام بالفقر ورسائل أخرى تبعث على الأمل وعن مستقبل مشرق دون بنوشيه، وأظهرت أن الناس سعداء يستمتعون بالحياة. عرضت الإعلانات رمز يتضمن قوس قزح كبير فوق خلفية بيضاء وكلمة «NO ـ لا» بأحرف سوداء كبيرة. واستُخدم هذا الرمز أيضًا في الاحتجاجات والمسيرات التي أدت إلى الاستفتاء.

في 5 أكتوبر 1988، أُجري الاستفتاء الوطني ونظم تحالف المعارضة إحصاء موازيًا لنتائج التصويت خلال مراقبتهم للجان الانتخابية، وأعلنت محطة إذاعية صغيرة نتائج المعارضة بفوز «لا». لكن الأمر لم يكن سهلًا؛ إذ لم يعترف بينوشيه بالخسارة في الاستفتاء، إلا عندما رفض أعضاء المجلس العسكري فرض الأحكام العرفية والانقلاب على الاستفتاء، واعترف قائد عسكري كبير علنًا بفوز حملة «لا»، وعُرف لاحقًا أن ما يقرب من 55٪ من الأصوات اختاروا «لا.»

وفي عام 1990، سلم بينوشيه السلطة لرئيس منتخب بعد تأمينه ببقائه قائدًا للجيش وبعضوية في مجلس الشيوخ مدى الحياة. لكن في عام 1998، احتجز في بريطانيا لمدة 18 شهرًا للرد على تهم تعذيب مواطنين إسبان في شيلي أثناء حكمه.

وبعد ذلك سُمح له بالعودة إلى شيلي للمحاكمة على 59 تهمة جنائية بالخطف والقتل والتعذيب. وفي عام 2005 وُضِع قيد الإقامة الجبرية في سانتياغو بسبب مزاعم التهرب الضريبي والفساد، لكنه توفي في عام 2006 قبل إتمام المحاكمة.

قصة نضال شعب كوريا الجنوبية لأجل الديمقراطية

كيف نجحت الثورة الكورية
كيف نجحت الثورة الكورية

هل يمكن لشعب أن ينال حريته ويصل إلى الديمقراطية رغمًا عن الأنظمة العسكرية المدعومة من أمريكا؟ الإجابة نعم، يمكننا القول أن قصة نضال شعب كوريا الجنوبية للوصول للديمقراطية والعدالة الاجتماعية تقدم دروسًا مجانية لشعوب العالم التي تحلم بالحرية والعدالة الاجتماعية، فالشعب الكوري عانى من الحكم العسكري لنحو أربعة عقود تضمنت انقلابات عسكرية عديدة ذاق فيها أنواعًا كثيرة من القمع أثناء نضاله ومنها على سبيل المثال: مذبحة كبرى، واعتقالات، وتعذيب وتخوين للمعارضة.

ودائمًا ما كانت هذه الأنظمة العسكرية مدعومة من أمريكا وتستخدم فزاعة الشيوعية والعداوة تجاه كوريا الشمالية لقمع المعارضة وتخوينها وتثبيت الحكم السلطوي مما يصعب أي فرصة للمعارضة أو المطالبة بالديمقراطية أو العدالة الاجتماعية، ومع ذلك لم تثنِ هذه الأمور شعب كوريا الجنوبية عن سعيه نحو امتلاك إرادته حتى حرر نفسه.

ترسيخ النظام الدكتاتوري والانقلاب على الثورة الأولى

منذ تأسيسها في عام 1948 باسم جمهورية كوريا (بعد تقسيمها لدولة بالجنوب وأخرى شيوعية بالشمال عقب الحرب العالمية الثانية والتحرر من الاحتلال الياباني)، كانت كوريا الجنوبية تكافح من أجل تحقيق ديمقراطية حقيقية. دعمت الولايات المتحدة إي سنج مان في تحول البلاد من تحت إدارة الحكومة العسكرية الأمريكية (1945-1948) إلى إقامة جمهورية كوريا الجنوبية، شريطة أن تتبنى حكومته إجراءات ديمقراطية.

لكن إي سنج مان أراد الاستحواذ على السلطة السياسية، ومع تبني قانون الأمن القومي، الذي تم تمريره في عام 1948 وسط مخاوف من انتشار الشيوعية في كوريا الجنوبية، تمكن من استخدام الخوف من التجسس الشيوعي والخيانة وسائل للقضاء على المعارضة السياسية، وشهد حكمه الحرب الكورية (1950-1953) التي قُتل فيها ما لا يقل عن 2.5 مليون شخص (كوريا الشمالية بدعم القوات الصينية، ضد كوريا الجنوبية بدعم عسكري من الأمم المتحدة)، وظل يحكم حتى ثورة 19 أبريل 1960 التي أطاحت بحكمه الاستبدادي، ثم جاء بعده الرئيس ين بو سون بانتخابات حرة في أغسطس 1960 لكنه لم يدم طويلًا في الحكم بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح به في مايو 1961

ثورة 19 أبريل 1960

ليأتي بعده الدكتاتور العسكري باك تشونج هي، الذي حكم كوريا الجنوبية بشكل رسمي من 1963 إلى 1979 بدعم من الولايات المتحدة، وكما يفعل معظم الحكام الدكتاتوريين حول العالم استمر باك باستخدام التخويف والترهيب من أخطار الأعداء الخارجيين والداخليين لقمع المعارضة وتأصيل الحكم السلطوي، وكانت فزاعته المفضلة هي الشيوعية التي استمر استخدامها كثيرًا من جانب الحكام الكوريين الدكتاتوريين من بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية.

انتهى حكم باك بالاغتيال في أكتوبر 1979 من قبل رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الكورية. ورغم حكمه القمعي شهدت كوريا الجنوبية هذه الفترة تحولًا اقتصاديًا ضخمًا من خلال التصنيع الموجه نحو التصدير. إذ كانت كوريا الجنوبية تستورد المواد الخام لتطوير السلع التامة الصنع.

انقلاب عسكري ومذبحة لإنهاء حلم الديمقراطية

وبعد اغتيال الدكتاتور العسكري باك، اشتعل توق الكوريين إلى الديمقراطية والحرية أكثر وأكثر، لكن لم تسِر الأمور كما كانوا يحلمون، ففي ديسمبر عام 1979، استولى الجنرال تشون، على السلطة بانقلاب عسكري آخر، وخلال محاولته إحكام سيطرته على البلاد، أعلن الأحكام العرفية على مستوى البلاد في 17 مايو 1980، وأرسل قوات المظلات إلى المدن الكورية الكبرى، وحبس قادة المعارضة الرئيسيين وحل البرلمان، مما أثار الاضطرابات، وبدأت الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية بالنمو في جميع أنحاء البلاد، وأصبحت مقاطعة جوانججو، في الجنوب الغربي، مركزًا خاصًا للحركة المؤيدة للديمقراطية، إذ كان الطلاب وأساتذتهم يقودون المظاهرات ضد الطغمة العسكرية الجديدة.

بدأت ثورة جوانججو أو كوانجو رسميًا في العاشرة من صباح 18 مايو ،عندما تجمع الطلاب المتظاهرون أمام المدارس المغلقة وجامعة تشونام الوطنية وتعرضوا للضرب والمطاردة من قبل المظليين. أعاد الطلاب تجميع صفوفهم وبدأوا يسيرون إلى منطقة وسط المدينة، وتحركت قوات المظلات مرة أخرى وبدأت في ضرب واعتقال المتظاهرين فضلا عن المتفرجين.

بدأ المواطنون العاديون الانضمام إلى المظاهرات بعد أن أغضبتهم وحشية القوات الحكومية. وبعد يومين، توجه سائقو سيارات الأجرة إلى وسط المدينة، وشاركوا بالاحتجاج عن طريق تشغيل أبواق السيارات والمصابيح الأمامية. وفي فترة ما بعد الظهر، أحرق المتظاهرون استوديوهات هيئة إذاعة مونهوا، بدعوى أنها أذاعت تقارير مشوهة عن الانتفاضة. وفي 21 مايو ،أطلق المظليون النار على حشد من الناس تجمعوا للمطالبة باعتذار عن الضرب والاعتقال الذي جرى في الأيام السابقة. ونتيجة لسفك الدماء، بدأ المتظاهرون بتسليح أنفسهم، وتشكيل قوة دفاعية تسمى «جيش المواطنين.»

فصلت السلطات غوانغجو عن بقية البلاد وسحبت القوات إلى حدود المدينة، وعند فجر اليوم التاسع، انتقل جنود المظليين والجنود النظاميون إلى المحتجين الذين تجمعوا عند المقر الحكومي للمقاطعة، وهجم الجيش على المتظاهرين، إذ استخدمت قوات تشون العسكرية الدبابات وناقلات الجند المدرعة وطائرات الهليكوبتر، ولم تستغرق عملية الإبادة أكثر من ساعة ونصف. وقُتل كثيرون بالرصاص الحي وتعرض آخرون للضرب حتى الموت،  وقدرت التقارير الحكومية عدد الوفيات بـ200 شخص ولكن أكدت التقارير غير الرسمية تراوح عدد القتلى الفعلي من ألف إلى ألفي شخص.

وقامت القوات الحكومية بالعديد من عمليات الاغتصاب التي أكدها تحقيق حكومي أُعلن في 2018 عن حدوث 17 حالة من الاعتداء الجنسي تضمنت اعتداءات ضد مراهقين وامرأة حامل خلال المذبحة. ورغم القمع الدموي الشديد، كانت الأيام العشرة في مايو 1980 محورية، وكان لها تأثير كبير على جميع السكان إذ ترسخت حركة الديمقراطية في جميع أنحاء كوريا الجنوبية.

الوسائل السلمية أسقطت أعتى الأنظمة العسكرية الديكتاتورية

الوسائل السلمية اسقطت الدكتاتورية العسكرية
الوسائل السلمية اسقطت الدكتاتورية العسكرية

لم يختلف موقف واشنطن في مذبحة غوانغجو عن سجلها الحافل بدعم الدكتاتوريين وقمع الديمقراطية خلال الحرب الباردة. إذ نجح الدكتاتور العسكري في إقناع الحكومة الأمريكية بالموافقة على حملته العسكرية، وفي هذا الوقت يصعب على الدكتاتور المضي في أمر كهذا دون موافقة واشنطن، إذ حافظت أمريكا على سيطرتها على القوات الكورية والأمريكية المشتركة منذ نهاية الحرب الكورية.

وكشفت الوثائق الحكومية التي تم الحصول عليها من خلال طلبات حرية المعلومات في التسعينات عن تواطؤ الولايات المتحدة في عدم فرض عقوبات إزاء نشر قوات كوريا الجنوبية العسكرية لقمع التمرد الشعبي المطالب بالديمقراطية في ربيع عام 1980، الأمر الذي سهل مذبحة غوانغجو.

ويذكر الصحفي دون كيرك، الذي كان في غوانغجو خلال الانتفاضة، أنه شاهد الأمهات أمام جثث أبنائهن وكتب عن تجاربه في كتابه «Korea Betrayed» في عام 2010: «أخبروني مؤخرًا في سيول أن دبلوماسيين أمريكيين وقادة عسكريين أقروا تحركات القوات الكورية للحفاظ على علاقات جيدة مع نظرائهم في كوريا الجنوبية ولقلقهم من الاتجاه المناهض لأمريكا خلال الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية.

ولم يتوقف دعم الولايات المتحدة لتشون بعد المذبحة، فقبل أن تبرد الدماء التي سالت في غوانغجو وافقت واشنطن على تقديم قروض بقيمة 600 مليون دولار من «بنك التصدير والاستيراد» في الولايات المتحدة لشراء التكنولوجيا النووية الأمريكية في يونيو (حزيران) 1980، مما يضفي مزيدًا من الشرعية على نظام تشون العسكري. وفي أوائل عام 1981 كان تشون نفسه ضيف شرف الرئيس رونالد ريجان في زيارة للبيت الأبيض.

ثورة الديمقراطية بعد 7 سنوات من المذبحة

واستمر النظام العسكري في جهوده لاستئصال الحركات التي تطالب بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية بعد المذبحة، فمن 1980 إلى 1983 حاولت الحكومة تطهير المجتمع من النشطاء، واعتقال الآلاف من السياسيين وأساتذة الجامعات والمعلمين والقساوسة والصحفيين والطلاب.  وفي أواخر عام 1983 سمح النظام للأساتذة والطلاب المناهضين للحكومة بالعودة إلى مدارسهم، وسحبوا الشرطة العسكرية من الجامعات، وعفوا عن السجناء السياسيين.

وفي عام 1984، أنشأت مجموعة من النقابات العمالية تحالفًا مؤيدًا للديمقراطية، ثم قام طلاب من 42 جامعة وكلية بتنظيم «التحالف الطلابي الوطني من أجل الديمقراطية». وتعاظمت محاولات توحيد الصف وتعاونت النقابات والطلبة في عام 1985 لإنشاء ائتلاف كبير يضم دينيين ومزارعين ومعلمين ومجموعات أخرى: «تحالف حركة الشعب من أجل الديمقراطية وإعادة التوحيد. (PMCDR)».

في هذه البيئة المفعمة بالأمل، تشكل حزب سياسي جديد للمعارضة لخوض الانتخابات المقبلة، إذ حصل على دعم من العديد من أعضاء تحالف «PMCDR» والسياسيين المعارضين، تحت اسم «الحزب الديمقراطي الكوري الجديد (NKDP)»، وظهر عام 1985 كمعارضة رئيسية في البرلمان.

وبعد مرور عامين في المنفى، عاد المعارض البارز كيم داي جونج إلى سيول لمواجهة احتمال توقيفه أو وفاته؛ لكنه كان برفقة اثنين من ممثلي الكونغرس في الولايات المتحدة مما وفر له الحماية.

وفي عام 1986 أصدر الناشطون الدينيون بما في ذلك الكاردينال الروماني الكاثوليكي بيانات تطالب الحكومة بمراجعة دستورية تضمن حقوق الإنسان. وأصدر مئات من الأساتذة بيانات عدم الثقة بالنظام. وبدأ «الحزب الديموقراطي الكوري الجديد (NKDP)» حملة جماعية لجمع 10 ملايين توقيع في جميع أنحاء البلاد لمراجعة دستورية (أي نصف الناخبين بالكامل). ورغم محاولات الشرطة لقمعها من خلال الاعتقالات ومداهمة مقرات مكاتب مجموعات المجتمع المدني، استمرت التوقيعات في التدفق.

وقد شجعت ثورة قوة الشعب في الفلبين التي أطاحت بالدكتاتور فرديناند ماركوس في فبراير 1986، الحراك في كوريا الجنوبية وتجاوزت المشاركة في المظاهرات الجماعية 700 ألف، وهي أعلى نسبة منذ «ثورة أبريل» ضد الدكتاتور إي سنغ مان في عام 1960.

وخلال ربيع عام 1986، نظم الطلاب والعمال مظاهرات تدعو لرفع الدعم الأمريكي عن النظام العسكري. وردًا على هذه المظاهرات (التي أسفرت واحدة منها عن صدامات بين الجنود والمتظاهرين)، بدأت الحكومة بالقبض على مئات الأشخاص، وفتشت آلاف المنازل وأغلقت مكاتب المعارضة. ومع ذلك، استمر الكوريون الجنوبيون الذين يدعمون الديمقراطية بالتظاهر رغم القمع الحكومي، وعندما تبين أن الشرطة قد قتلت تلميذًا أثناء تعذيبه في يناير 1987، أخذت المظاهرات على مستوى البلاد زخمًا جديدًا، وانضم الكوريون الجنوبيون العاديون إلى المعارضة الراديكالية في احتجاجاتهم ضد الحكومة القائمة.

في 13 أبريل عام 1987، أعلن الجنرال تشون أنه سينهي المناقشة العامة للمراجعة الدستورية وسيمرر السلطة إلى حاكم عسكري آخر دون انتخابات مباشرة.

وقد تسبب هذا في موجة من الغضب الشديد، إذ قام الزعماء الدينيون والكهنة بالإضراب عن الطعام، وهاجم الفنانون والروائيون والكتاب والممثلون بيان تشون علانية، كما تظاهر عشرات الآلاف في المدن الكبرى.

بعد هذا الإعلان، تعاظمت الكتلة المعارضة مما كان يصعب على السلطة تخوينها وانضمت مجموعات إضافية إلى التحالف لإنشاء «الحركة الوطنية للدستور الديمقراطي (NMHDC)»، والذي أصبح يغطي جميع المجموعات الرئيسية والمناطق الجغرافية.

وواصل القادة الدينيون المطالبة بدعم حملة الديمقراطية وزاد الطلاب من عدد المظاهرات في حرمهم الجامعي، ونظم تحالف «NMHDC» تظاهرات في جميع أنحاء البلاد للمطالبة بالديمقراطية.

وقد ساعدت الألعاب الأولمبية عام 1988 في كوريا الجنوبية في الحد من القمع خلال فترة الاحتجاج الضخمة خلال يونيو 1987، فأنظار الصحافة العالمية دائمًا ما تُسلط على البلاد التي تنظم الأحداث الرياضية الكبرى.

وفي 9 يونيو ،أصيب الطالب لي هان يول بقنبلة غاز مسيل للدموع في رأسه تسببت في مقتله، وفي اليوم التالي نظمت «NMHDC» ما سمته «انتفاضة لهزيمة قرار 13 أبريل وإنهاء الدكتاتورية»، لم تكن الحشود فقط لنشطاء المعارضة ولكن أيضًا أعداد كبيرة من الطلاب وعمال الياقات البيضاء وأصحاب المتاجر وعمال المصانع. وقدم ذلك نقطة انطلاق «موكب السلام» الذي شارك فيه مليون شخص في 26 يونيو.

بعد ثلاثة أيام، وتحت الضغط الجماهيري، في 29 يونيو أعلن روه تاي وو (ثاني أهم شخصية في نظام تشون)، تبني الإجراءات الديمقراطية وإصلاحات تشمل المراجعة الدستورية للانتخابات الرئاسية المباشرة، والعفو السياسي، واستعادة الحقوق المدنية للمعارضين السياسيين، وحرية الصحافة، ليبدأ قطار الديمقراطية الكورية بالتحرك والارتقاء بحقوق الشعب الكوري ودعم الاقتصاد أكثر فأكثر.

لكن ماذا حدث لمرتكبي المذبحة؟

في ديسمبر عام 1987 فاز مرشح الحزب الحاكم روه تاي (ثاني أهم شخصية في نظام تشون) بالانتخابات الرئاسية، لكن ليس بسبب شعبيته ولكن بسبب تفتيت أصوات مرشحي الحركة المؤيدة للديمقراطية (كيم يونغ سام، وكيم داي جونج)؛ إذ حصلا على 28% و27%، وفاز روه في الانتخابات بنسبة 36% من الأصوات، وترك الجنرال تشون السياسة بعد أن سلم السلطة لرفيقه روه في عام 1988

لكن لم يفلت جنرالا العسكر من الحساب طويلًا؛ ففي ديسمبر 1995، اُتهم كل من تشون وروه (بعد أن ترك السلطة عام 1993) بقبول الرشاوى خلال ولايتهما في الرئاسة، وبعد ذلك جرى فتح تحقيق فيما يتعلق بتورطهم في انقلاب عام 1979 وأفعالهما خلال مذبحة كوانجو 1980.

وأدين كلاهما في جميع التهم الموجهة إليهما في أغسطس 1996. وحُكم على تشون بالإعدام وروه بالسجن 22.5 عامًا، لكن وكحال كل المسارات الديمقراطية أو أغلبها على الأقل لا تحسم بالضربة القاضية، وتظل في كرّ وفرّ وتحقيق نقاط ضد شجرة الاستبداد القديمة، فبعد ذلك جرى تخفيض عقوبة تشون إلى السجن مدى الحياة وروه إلى 17 عامًا؛ وحصل كلاهما على عفو رئاسي في ديسمبر عام 1997

المصدر: ساسة بوست + فريق الموقع في 17 ديسمبر 2019

شاهد أيضاً

ديون-4-660x330

مصطفى عبد السلام يكتب :ثروات مصر المبعثرة على شراء الولاءات وتشويه الآخر

وهناك مليارات أخرى تم تخصيصها لتمويل إقامة مؤتمرات محلية ودولية، مثل مؤتمرات شباب العالم، واسأل الرئيس، وأخيرا مليارات تم تخصيصها لشراء معدات وأجهزة وجرافات لهدم البيوت على رؤوس المصريين ومعها هدم المساجد. هل عرفتم الآن أين تم إنفاق جزءاً مهماً من ثروات مصر الطائلة وأموال دافعي الضرائب خلال السنوات الست الأخيرة؟ وهل هذا الانفاق هو لصالح المواطن الذي بات يعاني من أوضاع معيشية صعبة، أو لصالح الاقتصاد المأزوم وديون البلاد المتراكمة، أم لصالح مشروعات وسياسات ومصالح السلطة الحاكمة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *