الخميس , 21 مارس 2019
أهم الأخبار
الرئيسية 1 دراسات 1 محمد الصغير يكتب:علاء محيي الدين وتصفية المعارضين
الشيخ محمد الصغير
الشيخ محمد الصغير

محمد الصغير يكتب:علاء محيي الدين وتصفية المعارضين

التصفية الجسدية والضرب في سويداء القلب، سياسة تواصت بها عصابة العساكر من بعد الإطاحة بالملكية الوراثية في عام 1952 والاستعاضة عنها بالملكية العسكرية، لكن يحلو للبعض الترحم على عهد حسني مبارك باعتبار ما آلت إليه الأوضاع الآن من سوء، لم يكن يخطر لأشد المتشائمين على بال!
والحقيقة تكمن فقط في التفاوت في درجات السوء، ودركات الظلم، وبتسليط الضوء على جريمة تصفية المعارضين وقتلهم في الشوارع، نجد أن من سنها، وجعل لها سمة التتابع هو حسني مبارك ووزراء داخليته، حتى جاء نظام السيسي فجعلها حصة مقررة مع بداية المواسم، والمناسبات الكبيرة، ووضع بصمته متفردا عن نظرائه، بانتهاج سياسة الإخفاء القسري، الذي طال أعدادا كبيرة من الشباب ..
بل تخطى إلى الشخصيات العامة كما حدث مع د. مصطفى النجار البرلماني السابق، ومؤسس حزب العدل، وأحد أبرز شباب التيار المدني الذي برز مع ثورة الخامس والعشرين من يناير !!

مخزون للنظام

والمختفي قسريا في منزلة بين المنزلتين، لا هو في الأموات فيرثى، ولا في الأحياء فيزار! ويتعامل معهم النظام كمخزون أو رصيد ينفق منه في القضايا التي لم يتوصل فيها إلى الفاعل، أو يضحي بهم في المواسم، لإثبات أنه ما زال في ساحة الحرب على الإرهاب، من خلال صورة واحدة وسيناريو لا يتغير، يتلخص في مداهمة شقة مع تبادل كثيف لإطلاق النار على من فيها، والنتيجة الموحدة موت كل الإرهابيين، وعدم وقوع أي إصابات أو حتى كدمات في صفوف المهاجمين!
وبعد نشر الأسماء تظهر المفاجأة في أن هذه الأسماء ممن تواصل ذووهم مع منظمات حقوقية، أو وسائل إعلامية بشأن اختفائهم من فترة، وإنكار الحكومة معرفة أي معلومات عنهم!
غابت فكرة الإخفاء ثم القتل والتصفية عن شياطين مبارك، لذا كانت عملياتهم مرتبكة، ويكتنفها الفشل في إخفاء آثار الجريمة، ويظهر هذا بجلاء في أول تجربة تصفية أعدوا لها سلفا، لما قرروا التخلص من د. علاء محيي الدين عاشور المتحدث الإعلامي باسم الجماعة الإسلامية في منتصف الثمانينيات ..
فبعد خروج قطاع من أبناء الجماعة من السجون ومحاولة الخروج بدعوتهم من محافظات الصعيد إلى قلب العاصمة، وحققوا في ذلك نجاحا ملحوظا في الأماكن التي يستوطنها أهل الصعيد في القاهرة، مثل إمبابة وعين شمس ..
وفي هذه المرحلة بزغ نجم علاء محيي الدين في المساحات المتاحة في بعض الصحف المستقلة مثل “الشعب” و”الحقيقة” ..
وتعتبر نشأة علاء محيي الدين عاشور في عائلة لها مكانتها السياسية والاجتماعية في مدينة ساقلته بمحافظة سوهاج، أبلغ الأثر في عمل شبكة من العلاقات الاجتماعية ومد جسور التواصل مع كثير من الكتاب والمفكرين والسياسيين ..
بالإضافة إلى ما كان يتمتع به من دماثة الخلق، وفصاحة اللسان، وحسن تلاوة القرآن، فكان يقضي يومه داعيا على كل حال، فإذا فرغ من ساحات الإعلام، انتقل إلى التجمعات الشبابية، والمساكن الطلابية، وكانت براعته في الدعوة الفردية والمحاورة، لا تقل عن تمكنه من ناصية الخطابة وحسن المحاضرة ..
وتعلق بالدكتور علاء كل من تعامل معه أو اختلط به لذا ضاق نظام مبارك بقلمه ولسانه، وقرر التخلص منه بالضرب في سويداء القلب، كان هذا في الثاني من سبتمبر/ أيلول عام 1990 حيث ترصدت له مجموعة كلفت باغتياله من قبل وزارة الداخلية، فأطلقوا عليه الرصاص وهو يمشي منفردا وسط شارع ترسا في حي الهرم في طريقه إلى مسكنه ..
ولم تكن أذهان شياطين الإنس قد تفتقت عن خطف الأحياء ثم قتلهم كما هو الحال الآن، وإنما كانت خطتهم معكوسة، فبعد قتله جردوه من متعلقاته وما يثبت شخصيته، ثم نقلوه إلى مستشفى أم المصريين في الجيزة على أنها جثة مجهولة، ونشرت ذلك بعض الصحف، فربط رفاقه بين غيابه وبين الخبر المنشور، ووصلوا المستشفى في الوقت الذي أرسلت فيه الشرطة أحد المنتسبين إليها مدعيا أن الجثة لولده المتغيب، وتعرف عليه في محاولة لسرقة الجثمان بالقانون !

يقظة المحامين

لكن يقظة المحامين الإسلاميين الذين توافدوا على المشفى، ومعهم المحامي سامح عاشور ابن عم الفقيد “نقيب المحامين الحالي” منعت هذه المحاولة الخسيسة، بالإضافة إلى الجماهير الغفيرة التي أحاطت بالمستشفى من آل عاشور الذين هرعوا إلى القاهرة، وقد بلغتهم أنباء ما وقع للدكتور علاء، فأُسقط في يد النظام، وتركوا الجثة لأهلها الذين حملوها إلى مقابر العائلة في سوهاج، التي كان علاء محيي الدين قد ترك بضعة منه في رحم عقيلة من عقيلاتها التي ترملت  عروسا، ثم أنجبت له بعد موته بنتا سموها بملخص قصة أبيها “استشهاد علاء محيي الدين ” وأصبحت الآن طبيبة خلفا لوالدها رحمه الله.

لم تعلق الداخلية على الحادثة وتوابعها ولم تستطع حتى أن تصف د. علاء بما اعتادت أن تصف به المخالفين، من أوصاف الإرهاب والبهتان، لأن إرهابها ظهر، وبهتانها انكشف، في قتل رجل كان سلاحه القلم، ودرعه الكتابة، ونعاه كثير من الرموز الذين تعامل معهم .
ومن أجمل ما قرأت: ما رثاه به الأستاذ عادل حسين رئيس تحرير جريدة الشعب والذي كان علامة مميزة في الصحافة المصرية، وتخرج على يديه جيل من النابهين والمميزين، كتب تحت عنوان: “مات صاحب الخلق الدمث”.
ومثّل اغتيال علاء محيي الدين علامة فارقة، ومرحلة فاصلة في إدارة الصراع بين السلطة والجماعة الإسلامية.
فلا تترحموا على زمن مبارك فإنه كان لا يعرف الرحمة، ولكن قولوا:
إن النسخة العسكرية الأخيرة، هي أردأ النسخ وأكثرها همجية وتعطشا إلى الدماء، وتصفية للأبرياء، وهي بإذن الله الطبعة الأخيرة، وآخر صفحات الكتاب الأسود الذي سطره العسكر بدماء الشهداء.

المصدر الجزيرة مباشر في 22 ديسمبر 2018

شاهد أيضاً

البرلمان المصري

تعديل الدستور  :مقترحات مد فترات ولاية الرئيس تثير جدلا واسعا

    ” اقترح الكاتب الصحفي المصري ياسر رزق إدخال تعديلات تطال خمسة عشر في ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *