السبت , 29 فبراير 2020
أهم الأخبار
الرئيسية 1 ثورة يناير 1 الحكم العسكري 1 (ملف).. كيث قضى صندوق النقد على الاقتصاد المصري
368 (2)

(ملف).. كيث قضى صندوق النقد على الاقتصاد المصري

كبّل صندوق النقد الدولي الاقتصاد المصري بشروط مرهقة على مدار 3 سنوات، هي مدة برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي انتهى موعد تطبيقه يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

 

ورغم أن الحكومة أكدت على إيجابيات ترتبت عن الاتفاق، وفي مقدمتها القضاء على السوق السوداء للعملة، إلا أن المصريين كان حصادهم مراً عبر موجات الغلاء الفاحش التي ضربت مختلف السلع والخدمات الأساسية، وخفض الدعم الحكومي المقدم لسلع رئيسية منها الوقود والكهرباء، وارتفاع نسبة الفقر لتشمل نحو ثلث المصريين، وتسريح مئات الآلاف من الموظفين في الجهاز الإداري للدولة، وزيادة الديون الخارجية والمحلية بمعدلات قياسية.

وتصاعدت مخاوف المصريين بعد اتجاه الحكومة إلى عقد اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي قد يتم من خلاله إلغاء مجانية التعليم والعلاج وإغراق البلاد في مزيد من الديون الخارجية وزيادة الضرائب والرسوم الحكومية.

 

مصر تحت انتداب صندوق النقد: 3 سنوات فقر وغلاء وديون

في مثل هذا اليوم منذ 3 سنوات أعلن صندوق النقد الدولي موافقته على اتفاق يمنح بموجبه مصر قرضاً بقيمة 12 مليار دولار على عدة مراحل بشروط وإجراءات قاسية يجب على الحكومة التزامها، وكان أبرزها تعويم العملة وتقليص الدعم وتحرير أسعار الوقود وفرض ضريبة القيمة المضافة.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن مصر حصدت إيجابيات عديدة من الاتفاق مع صندوق النقد، أبرزها القضاء على السوق السوداء للدولار وزيادة الاحتياطي من العملات الأجنبية واستقرار السياسات النقدية، انعكس برنامج الصندوق سلباً على المواطنين الذين عانوا من تفاقم أزماتهم المعيشية وارتفاع أسعار السلع والخدمات وزيادة نسب الفقر إلى مستويات خطرة.

 

وحسب مراقبين، فإن من أكبر التداعيات السلبية للاتفاق، تتمثل بأن صندوق النقد لم يتحكم بمسار الاقتصاد الوطني طوال السنوات الثلاث الماضية فقط، بل يبدو أن البلاد ستكون رهينة المؤسسة الدولية لسنوات مقبلة، حيث أصبحت مصر مجبرة على الاتجاه نحو اتفاق جديد للحصول على قروض تحد من أزماتها المالية وتسدّ بها أقساط الديون التي وصلت إلى معدلات قياسية.

 

بدأت القصة عندما أعلن صندوق النقد الدولي على صفحته يوم 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، أن المجلس التنفيذي للصندوق وافق على عقد اتفاق ممدد مع مصر لفترة ثلاث سنوات تستفيد فيها من “تسهيل الصندوق الممدد” بقيمة تعادل 8.579 مليارات وحدة حقوق سحب خاصة (نحو 12 مليار دولار، أو 422% من حصة عضويتها)، لدعم البرنامج الوطني الذي وضعته السلطات المصرية لإصلاح الاقتصاد المأزوم.

 

 

وحسب بيان صندوق النقد آنذاك، سيساعد البرنامج على استعادة استقرار الاقتصاد المصري وتشجيع النمو، حيث تهدف السياسات التي يدعمها البرنامج إلى تصحيح الاختلالات الخارجية، ووضع عجز الموازنة والدين العام على مسار تنازلي، وإعطاء دفعة للنمو وخلق فرص العمل مع توفير الحماية لمحدودي الدخل.

 

وقال الصندوق: كان تحرير نظام سعر الصرف وتخفيض سعر الجنيه المصري خطوتين أساسيتين نحو استعادة الثقة في الاقتصاد والتغلب على نقص العملة الأجنبية. وسيكون نظام سعر الصرف الجديد مدعوماً بسياسة نقدية ذات طابع انكماشي حذر، لتثبيت توقعات التضخم، والسماح بتراكم احتياطيات النقد الأجنبي.

 

أكبر خسارة للجنيه

 

كان أول شروط صندوق النقد من أجل إتمام الاتفاق مع مصر، تحرير سعر الصرف الأجنبي. وبالفعل، قررت الحكومة تعويم العملة المحلية في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، أي قبل إعلان الصندوق موافقته على الاتفاق بنحو أسبوع فقط، ليصل سعر الدولار آنذاك إلى 18 جنيهاً مقابل 8.88 جنيهات قبل التعويم، وهي أكبر خسارة للجنيه طوال تاريخه، فيما يصل سعر العملة الأميركية حالياً نحو 16 جنيهاً.

 

وفي يناير/ كانون الثاني من عام 2017، قال رئيس بعثة مصر في صندوق النقد، كريس غارفيس، إن قيمة الجنيه المصري انخفضت أكثر من المتوقع بعد تعويم سعر الصرف، مشيراً إلى أن السكان يمكن أن يستفيدوا على المدى الطويل من الإصلاحات والتعويم، لكن الفقراء سيعانون إلى حد كبير.

 

وحسب خبراء اقتصاد لـ”العربي الجديد”، كان لعملية التعويم إيجابيات، أبرزها القضاء على سعر السوق السوداء للعملات الصعبة، إلا أن لها سلبيات ضخمة، أبرزها الارتفاع الكبير للأسعار الذي أرهق المواطنين وساهم في زيادة نسبة الفقر، حيث تجاوز معدل التضخم 35% في يوليو 2017، وهو أعلى معدل منذ الحرب العالمية الثانية .

 

وقال الخبير الاقتصادي، علاء عبد الحليم، في اتصال هاتفي من القاهرة، لـ”العربي الجديد”، إن اتفاق الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي كان مهماً وساهم في تصحيح مسار الاقتصاد وعلاج العديد من التشوهات، ومنها وجود سعرين للدولار في السوق الرسمي والموازي.

 

 

وأضاف عبد الحليم أن المجلس العسكري والرئيسين المصريين السابقين محمد مرسي وعدلي منصور، لم ينجحوا في توقيع اتفاق مع صندوق النقد، لكن الحكومة الحالية اتخذت قراراً جريئاً بتوقيع الاتفاق الذي أعاد الكثير من الأمور إلى نصابها، ووجه الاقتصاد إلى الطريق الصحيح، على حد قوله.

 

وأشار إلى وجود أكثر من سعر للدولار قبل التعويم، أدى إلى أزمات كبيرة للمواطنين والمستثمرين والتجار، وسبّب خسائر باهظة للاقتصاد، مشيراً إلى أن إحدى أبرز الإيجابيات، ارتفاع الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لمصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

 

وأعلن البنك المركزي المصري، الشهر الماضي، ارتفاع أرصدة احتياطي النقد الأجنبي لأكثر من 45 مليار دولار لأول مرة، مسجلة 45.118 مليار دولار بنهاية سبتمبر/ أيلول الماضي. وزاد الاحتياطي الأجنبي بنحو 149 مليون دولار، حيث كان يسجل 44.969 مليار دولار بنهاية أغسطس/ آب، لكن يرى محللون أن الزيادة في الاحتياطي جاءت عبر التوسع في القروض الخارجية، وليس عبر موارد ذاتية.

 

ورغم تأييد عبد الحليم للاتفاق مع الصندوق، إلا أنه عاد ليؤكد أن “لكل مسار اقتصادي جديد ضحايا، إذ أدى الاتفاق إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين، ولكن هذا الجانب يمكن علاجه عبر برامج الحماية الاجتماعية وضبط الأسواق وزيادة الرواتب”.

 

 

 

قفزات في الأسعار

 

وأدى قرار التعويم إلى قفزات هائلة في أسعار السلع الضرورية والخدمات الأساسية، ولا سيما في ظل اعتماد مصر على استيراد احتياجاتها الأساسية من الخارج بالعملة الصعبة. وأكد تقرير صادر عن وزارة المالية المصرية بشأن حركة السلع الأساسية الواردة إلى مصر، استيراد سلع غذائية أساسية بقيمة 227.7 مليار جنيه (12.93 مليار دولار) خلال 2018.

 

ورغم وعود الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وحكومته بالتزامن مع توقيع اتفاق الصندوق بعدم تأثر الفئات محدودة الدخل بما تصفه الحكومة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، إلا أن الواقع جاء عكس ذلك، إذ شهدت مصر موجات غلاء طاحنة ومتتالية، ووصل التضخم إلى مستويات قياسية لم يصل إليها منذ 30 سنة بعد أن تجاوزت نسبته 35%، قبل أن يتراجع إلى أقل من 8% حالياً حسب بيانات رسمية، وهو ما يشكك فيه خبراء الاقتصاد الذين يؤكدون أن معدلات التضخم أعلى بكثير، وخاصة مع استمرار موجات الغلاء.

 

وارتفعت أسعار الوقود 4 مرات السنوات الثلاث الماضية، إذ زادت بنسب راوحت بين 30 و47% في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بالتزامن مع توقيع مصر اتفاق قرض صندوق النقد، ثم بنسب وصلت إلى 55% في يونيو/حزيران 2017، و67% في يونيو/حزيران 2018، لتراوح الزيادة الإجمالية بين 430% و770% خلال السنوات الماضية، وفقاً للزيادة الجديدة التي اعتُمدَت في يوليو/ تموز الماضي. وشهدت أسعار تذاكر المترو وفاتورة الكهرباء والمياه والسلع الغذائية قفزات كبيرة خلال السنوات الثلاث الماضي.

 

 

 

فقر قياسي

 

نتج من تفاقم الأزمات المعيشية للمصريين طوال السنوات الثلاث التي أعقبت الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، زيادة أعداد الفقراء إلى مستويات قياسية.

 

 

وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)، ارتفع معدل الفقر في البلاد خلال العام المالي 2017 – 2018 إلى 32.5%، مقابل 27.8% خلال العام المالي 2015 – 2016 (قبل الاتفاق مع الصندوق). أي إن عدد الفقراء ارتفع بنسبة 4.7% خلال عام واحد فقط، ليصبح ثلث سكان مصر تحت خط الفقر.

 

وتشير تقارير أخرى إلى أن نسبة الفقر أكثر من ذلك بكثير، إذ قدّر البنك الدولي ارتفاع نسبة الفقر والفئات القابلة للدخول في دائرته بنحو 60%، أي إن أكثر من 50 مليون مصري أصبحوا في دائرة الفقر.

 

ويأتي ذلك رغم أن صندوق النقد طالب الحكومة بوضع برامج اجتماعية لحماية محدودي الدخل، إلا أن ما حدث هو اتجاه الحكومة إلى تقليص الدعم وحرمان ملايين المصريين الحصول على التموين المدعم بعد إلغاء بطاقاتهم في إطار الإجراءات التقشفية للحكومة.

 

 

 

ديون متراكمة

 

شهدت الديون خلال السنوات الأخيرة زيادة قياسية، إذ أظهرت بيانات صادرة عن البنك المركزي، أن إجمالي الدين العام المحلي وصل إلى نحو 4.204 تريليونات جنيه (256.2 مليار دولار)، في مارس/آذار الماضي، مقابل 3.538 تريليونات جنيه (215 مليار دولار) في الشهر نفسه من 2018.

 

وارتفع دين مصر الخارجي إلى 109 مليارات دولار آخر يونيو/حزيران 2019، صعوداً من 93 ملياراً قبل سنة سابقة، بما يشكل تقريباً زيادة قدرها 16 مليار دولار، ونسبتها 17%.

 

يذكر أن الدين الخارجي بلغ 67.3 مليار دولار، في ديسمبر/كانون الأول من 2016، أي أن الديون الخارجية زادت بمقدار 42 مليار دولار خلال السنوات الثلاث التي أعقبت الاتفاق مع صندوق النقد، أي بنسبة زيادة نحو 63% خلال هذه الفترة.

 

وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، لـ”العربي الجديد” أنه رغم انتهاء البرنامج إلا أن آثاره مازالت ممتدة، مشيرا إلى ارتفاع المديونية الخارجية إلى أكثر من ضعفى ما كانت عليه قبل بداية البرنامج.

 

وأوضح أن الاتفاق مع صندوق النقد يضر أكثر مما ينفع، مؤكدا أن أكثر النتائج سلبية كانت في مضاعفة أسعار السلع والخدمات وزيادة الفقر.

وهم نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري

3 سنوات من الفقر المدقع والغلاء الفاحش والتقشف العنيف وقفزات الديون الخارجية والداخلية وعجز الموازنة العامة للدولة وتهاوي قيمة العملة المحلية، كافية للحكم على برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري الذي نفذته الحكومة المصرية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي ولمدة 3 سنوات تنتهي اليوم الإثنين.

 

ورغم هذه المؤشرات الخطيرة، إلا أن الحكومة المصرية لا تزال تصر على “نجاح البرنامج بصورة مبهرة أذهلت العالم أجمع والمؤسسات المالية الدولية، وأنه في ظل البرنامج تم تحقيق ثاني أكبر فائض بالموازنة على مستوى العالم، وأن البرنامج المصري بات نموذجًا للدول الراغبة في إجراء إصلاح اقتصادي”، وذلك حسب التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين من آنٍ لآخر.

 

ومع الإصرار الرسمي على نجاح البرنامج المصري، فإن السؤال المطروح هنا هو: هل يقدم لنا أحد دلائل ملموسة ومؤشرات قوية على نجاح البرنامج الذي حصلت مصر بموجبه على قرض بقيمة 12 مليار دولار مقابل تنفيذ التزامات، منها تعويم العملة، وخفض الدعم الحكومي، وفرض ضريبة القيمة المضافة.

 

الاحتياطي النقدي

 

لا نريد كلمات فضفاضة ومؤشرات خادعة من عيّنة أنه في ظل برنامج الإصلاح حدثت قفزة في احتياطي البلاد من النقد الأجنبي والذي تخطى 45.2 مليار دولار نهاية أكتوبر الماضي، فالقاصي والداني يعرف أن الاحتياطي تمت إعادة بنائه عبر الاقتراض الخارجي الكثيف، وليس عن طريق زيادة موارد البلاد من النقد الأجنبي، خاصة مع تراجع إيرادات الاستثمارات المباشرة وتحويلات العاملين في الخارج.

 

أو أن يتحدث أحد عن تسجيل مصر أسرع معدلات نمو في الشرق الأوسط، ليصل المعدل إلى 6.5% في عام 2018، فالجميع يعرف أن أسباب زيادة معدل النمو لا تكمن في زيادة إنتاج البلاد، خاصة من القطاعات الموفرة لفرص العمل والمدرّة للنقد الأجنبي مثل الصناعة والصادرات والزراعة.

بل إن قفزة المعدل تأتي من عاملين رئيسيين هما كثافة الاقتراض سواء الداخلي أو الداخلي، والطفرة التي شهدتها قطاعات البنية التحتية والبناء والتشييد والعقارات والمشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية، والتي وفرت فرص عمل مؤقتة لملايين العمال.

 

رضا المصريين الاجباري

 

ولا أحد يدلل على نجاح البرنامج بقصة تقبّل المصريين للإجراءات التقشفية العنيفة المصاحبة له “وثقتهم في القائمين عليه” كما تقول المصادر الحكومية، فالقاصي والداني يعرف أن المصريين صمتوا تحت تهديد الاعتقال، وأن السجن كان في انتظارهم في حال الاعتراض، وأنهم عبّروا عن موقفهم الحقيقي حينما سمح لهم بالخروج يوم 20 سبتمبر الماضي.

 

ومن حين لآخر، يدلل مسؤولون على نجاح البرنامج المصري بإشادة المؤسسات المالية الدولية المقرضة للبرنامج، وهذا ليس دليلا، فهذه المؤسسات هي التي سبق أن أشادت بتجربة النمور الآسيوية قبل انهيارها مباشرة.

 

كما أن صندوق النقد هو المقرض الرئيسي لمصر والمعتمد لبنود البرنامج، والمقرض لا ينتقد خططه وبرامجه وإملاءاته، لأنه هو من يقف خلفها ويشرف على تنفيذها، وإلا دان نفسه في النهاية، خاصة مع تقديرات الصندوق الخاطئة، سواء لقيمة العملة المصرية قبل تعويمها أو حجم الدين الخارجي والاستثمارات الخارجية، كما أن المقرض في النهاية لا يهمه سوى استعادة أمواله.

 

نجاحات نقدية

 

نعم برنامج الإصلاح الاقتصادي حقق نجاحات على المستوى المالي والنقدي، ومن أبرز نجاحاته أنه أعاد الاستقرار لسوق الصرف الأجنبي وقضى على السوق السوداء للعملة التي تغولت خاصة في فترة ما قبل نوفمبر 2016، وهذه نقطة تحسب للبرنامج.

 

لكن في المقابل، فإن السؤال هنا: هل انعكس نجاح البرنامج على حياة الناس ومعيشتهم، وهل انعكس على مؤشرات الاقتصاد خاصة عجز الموازنة العامة والدين العام، وهل ساهم في زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية، خاصة مع تحرير سوق الصرف وتعويم الجنيه؟

 

الإجابة بالطبع لا، وهناك دلائل ومؤشرات قوية على أن البرنامج لم يحقق أهدافه الرئيسية، وفي مقدمتها إصلاح الخلل في المركز المالي للدولة، ومعالجة أزمات الدين العام والبطالة والفقر، ولم يساهم في تقوية العملة المحلية التي فقدت نحو نصف قيمتها، كما لم يلعب دوراً في زيادة موارد البلاد من النقد الأجنبي حتى مع تعويم الجنيه.

 

زيادة الفقر

 

وأبرز دليل على إخفاق البرنامج في تحقيق أهدافه زيادة معدل الفقر خلال السنوات الثلاث الماضية، خاصة الفقر المدقع، بشهادة الأرقام الرسمية، كما تلاشت الطبقة الوسطى أو كادت تتلاشي، وهو أمر في غاية الخطورة بالنسبة لتماسك المجتمع.

 

وقد تحمّل المصريون العاديون العبء الأكبر للإصلاحات الاقتصادية في شكل قفزات متواصلة في الأسعار وخفض في الدعم الحكومي.

 

ووفقا للبيانات الحكومية، فإن نحو ثلث المصريين يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يزيد على 35 مليون مواطن، وأن معدلات الفقر قفزت إلى نحو الضعف منذ عام 2000.

 

قفزات الأسعار

 

كما أسفر تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي عن حدوث قفزات غير مسبوقة في الدين العام الذي اقترب من 6 تريليونات جنيه بنهاية مارس الماضي.

 

وإذا سار معدل الاقتراض على ما هو عليه يكون الدين العام قد تجاوز رقم 7 تريليونات حاليا مقابل 1.7 تريليون فقط في منتصف العام 2013، كما شهد الاقتراض الخارجي قفزات عقب تطبيق البرنامج دفعت به إلى حاجز الـ 110 مليارات دولار، وهو مؤشر خطر بشهادة مؤسسات عالمية محايدة، منها وكالة موديز، التي حذرت مؤخرا من هذا الصعود، فهل تراجع الدين أم شهد قفزات في نهاية تطبيق البرنامج؟

 

وبدلاً من أن يعالج برنامج الإصلاح عجز الموازنة العامة للدولة نجد أن العكس هو ما حدث، فقد تفاقم العجز إلى مستويات خطرة، وباتت قيمة أقساط الديون المستحقة وأسعار الفائدة المستحقة عليها تقارب إيرادات الدولة. حدث ذلك رغم زيادة أسعار الوقود 5 مرات خلال 5 سنوات وزيادة فواتير النفع العام من كهرباء ومياه ورسوم حكومية وأسعار سلع غذائية وغيرها.

 

ضرائب من كل نوع

 

أما عن زيادة الضرائب في ظل تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، فحدّث ولا حرج، لدرجة أنها باتت تمثل نحو 80% من الإيرادات العامة للدولة. وفي ظل تطبيق برنامج الإصلاح شهدت مصر ولأول مرة تطبيق ضريبة القيمة المضافة التي تستهدف الحكومة زيادة حصيلتها 14% في موازنة 2019-2020 إلى 364.657 مليار جنيه (21.287 مليار دولار)، مقابل 320.148 مليار جنيه مستهدفة في السنة المالية الحالية 2018-2019، وهو ما يعني اعتماد إيرادات الدولة على جيب المواطن وضرائبه ورسومه.

 

وعلى مستوى المواطن، فقد أدخل برنامج الإصلاح الاقتصادي رجل الشارع في سباق مع قفزات الأسعار التي لا تنتهي، والتي ألقت بملايين المصريين في أتون الفقر المدقع بشهادة البنك الدولي.

 

رهن القرار المصري

 

ببساطة، لقد رهن البرنامج المصري قرار البلاد الاقتصادي للدائنين الخارجيين الذين باتوا يحددون أولويات الإنفاق، سواء على التعليم أو الصحة وغيرها، وبات صندوق النقد الدولي له القول الفصل في القرارات الاقتصادية المصيرية عبر ممثله المقيم في القاهرة.

 

الفائزون الحقيقيون من برنامج الإصلاح الاقتصادي هم المستثمرون الأجانب أصحاب السندات الدولية الذين حصلوا على أسعار فائدة على أموالهم المستثمرة بلغت نحو 20% في بعض فترات تطبيق البرنامج، وكذا الدائنون الإقليميون والدوليون. أما الخاسر الأكبر، فهو المواطن والاقتصاد والأجيال المقبلة.

 

دوامة القروض

 

لا ينكر أحد أن لبرنامج الإصلاح الاقتصادي إيجابيات على المستوى النقدي، خاصة على مستوى القضاء على اضطرابات سوق الصرف التي كادت أن تعصف بالاقتصاد المصري، لكن تكلفة البرنامج كانت عالية جداً على الاقتصاد والمواطن، وأن نتيجته والمردود منه كانت ضعيفة مقارنة بالفاتورة التي تحمّلها الجميع، بمن فيهم الأجيال القادمة والمركز المالي للبلاد.

 

وأكبر دليل على ذلك أن مصر في عهد صندوق النقد دخلت في دوامة القروض التي لا تنتهي، فالحكومة تقترض لسداد ديون مستحقة مع تأجيل سداد بعض الديون الأخرى، كما حدث مؤخرا مع ديون السعودية والكويت والإمارات.

 

كما تواصل الحكومة سياسة رفع أسعار السلع والخدمات والرسوم الحكومية وزيادة الضرائب والجمارك وتحرير أسعار الوقود والكهرباء.

 

ولم تكتف بذلك، بل تسعى للدخول في اتفاق جديد مع الصندوق بداية من شهر مارس القادم، قد تصاحبه إجراءات أكثر عنفاً من الإجراءات التقشفية السابقة، مثل إلغاء مجانية التعليم والعلاج.

 3 سنوات على تعويم الجنيه المصري وقرض الصندوق: الأوضاع تزداد سوءاً

لم يكن وضع الاقتصاد المصري وعملته الجنيه جيداً قبل نوفمبر/تشرين الثاني 2016، ولكنه لم يتحسن بعد قرار التعويم وتوقيع اتفاق القرض مع صندوق النقد، بل على العكس فإن الأمور وفقاً للأرقام الرسمية تزداد سوءاً.

وقررت الحكومة المصرية تعويم (تحرير) العملة المحلية في نوفمبر 2016، ليصل سعر الدولار إلى أكثر من 18 جنيهاً مقابل أقل من 9 جنيهات قبل التعويم و7 جنيهات قبل 6 سنوات.

 

كان قرار تحرير سعر العملة جزءا من برنامج اقتصادي اتفقت عليه مصر مع صندوق النقد الدولي في سبيل الحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار، ولكن في يناير/كانون الثاني من 2017، قال رئيس بعثة مصر في صندوق النقد وقتها، كريس غارفيس، إن قيمة الجنيه المصري انخفضت أكثر من المتوقع بعد تعويم سعر الصرف.

 

وأشار إلى أن السكان يمكن أن يستفيدوا على المدى الطويل من الإصلاحات والتعويم، لكن الفقراء سيعانون إلى حد كبير.

 

 

 

ورغم وعود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وحكومته آنذاك بعدم تأثر الفئات محدودة الدخل بما تصفه الحكومة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي وخفض قيمة العملة المحلية، إلا أن الواقع جاء عكس ذلك، إذ شهدت مصر موجات غلاء طاحنة ومتتالية، ووصل التضخم إلى مستويات قياسية اقتربت من 35%، قبل أن تعود الحكومة مؤخرا وتصدر بيانات عن انخفاض معدلات التضخم.

 

انخفاض قيمة العملة

 

تعرض الجنيه لأكبر خسارة في تاريخه أمام الدولار فقد خلالها نحو 128% من قيمته من قرار التعويم، بعد أن لامست العملة الأميركية 20 جنيها مقابل 8.80 جنيهات رسمياً، كما فقدت العملة المصرية نحو 242% مقارنة بمتوسط الأسعار في عام 2011، حيث لم يتجاوز الدولار خلاله 5.95 جنيهات، ويبلغ سعر الدولار حاليا في المتوسط نحو 16.11 جنيها وسط تقارير عن استمرار تدخل البنك المركزي للحفاظ على سعره الحالي.

 

وقال وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، في تصريحات سابقة لـ”العربي الجديد” عقب التعويم، إن “الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التعويم تقدر بنحو تريليوني جنيه (113 مليار دولار)، تمثل فارق عجز الموازنة وفوائد الدين العام، التي قفزت بصورة مخيفة، فضلا عن زيادة الدين العام الخارجي وارتفاع تكلفة استيراد السلع الأساسية، بخلاف تدني القيمة الشرائية للعملة المحلية وانكماش استهلاك المواطنين”.

 

الدخل الشخصي

 

تأثر الدخل الشخصي للمصريين بقرار التعويم، فظل الدخل شبه ثابت، بينما انخفضت قيمة العملة، فمن كان دخله 2000 جنيه قبل التعويم وبما يعادل (227 دولارا تقريباً) فإنه يعادل حاليا نحو 124 دولاراً، وهو ما أثر لاحقا على القدرة الشرائية والمستوى المعيشي لغالبية المواطنين.

 

الدين العام

 

بلغت الديون المحلية لمصر في يناير/كانون الثاني 2011 نحو 962.2 مليار جنيه، بينما وصلت الديون الخارجية إلى 34.9 مليار دولار، غير أنها ارتفعت محلياً إلى 1.23 مليار جنيه خلال فترة حكم المجلس العسكري حتى منتصف 2012 ونحو 34.4 مليار دولار خارجياً.

وخلال تولي الرئيس الراحل محمد مرسي السلطة والتي استمرت عاما قبل الانقلاب العسكري منتصف العام 2013، صعد الدين المحلي إلى نحو 1.8 تريليون جنيه، كما زاد الدين الخارجي بقيمة 8.6 مليارات دولار ليصل إلى 43 مليار دولار.

 

وقبل قرار التعويم في نوفمبر 2016 بلغ إجمالي الدين المحلي بنهاية سبتمبر/أيلول 2016 وفق بيانات البنك المركزي نحو 2.7 تريليون جنيه، بينما قفزت الديون الخارجية إلى نحو 61 مليار دولار، ارتفعت بعد التعويم بـ6 أشهر إلى 79 مليار دولار.

 

وكشف البنك المركزي المصري، أوائل نوفمبر 2019، عن ارتفاع رصيد الدين الخارجي المستحق على مصر إلى 108.7 مليارات دولار بنهاية يونيو/حزيران 2019، بزيادة قدرها 16.1 ملياراً مقارنة بنهاية يونيو 2018.

 

وكشفت بيانات صادرة عن البنك المركزي، في سبتمبر/أيلول الماضي، أن الدين المحلي (الداخلي) قفز على أساس سنوي، في مارس/آذار 2019، إلى 4.204 تريليونات جنيه (256.2 مليار دولار تقريبا).

 

رفع أسعار الوقود

 

أقدمت الحكومة على رفع أسعار الوقود بنسب كبيرة، بعد إبرام اتفاقها مع صندوق النقد مباشرة، جاءت الأولى في نوفمبر 2016، بنسب تراوحت ما بين 30% و47%، والثانية في 30 يونيو 2017 بنسب تصل إلى 55%.

 

في الخامس من يوليو/تموز 2019، رفع النظام الحاكم في مصر أسعار الوقود وغاز البوتاغاز بنسب تتراوح ما بين 16% و30%.

 

إجمالا، تم رفع أسعار المنتجات البترولية خمس مرات في خمس سنوات بين عامي 2014 و2019، بنسبة إجمالية وصلت إلى 520%، بالمقارنة بأسعار 2013، حيث زاد سعر اللتر من السولار، وهو الأكثر استخدامًا، من 90 قرشا إلى 6.75 جنيهات، بنسبة 650%.

 

وزاد سعر اللتر من بنزين 80 أوكتين، وهو ما يطلق عليه وقود الفقراء، من 80 قرشا للتر إلى 6.75 جنيهات، بنسبة 740%.

 

وزاد سعر اللتر من بنزين 92 أوكتين من 1.85 جنيه إلى 8 جنيهات، بنسبة 330%. وزاد سعر أسطوانة البوتاغاز المعدة للاستهلاك المنزلي من 8 جنيهات إلى 65 جنيها، بنسبة أكثر من 700%.

 

أسعار المياه

ارتفعت أسعار مياه الشرب للمواطنين في كافة الشرائح، ولعل أهمها الشريحة الثانية والتي ارتفعت من 32 قرشا للمتر المكعب في 2013 إلى 165 قرشا في 2019، والشريحة الثالثة من 45 قرشا إلى 227 قرشا.

 

الكهرباء:

 

رفعت الحكومة أسعار الكهرباء عدة مرات خلال السنوات الخمس الأخيرة، كان آخرها منتصف العام الجاري، ما فاقم الأعباء المعيشية للمواطنين.

 

وتراوحت الزيادات في شرائح استخدام الكهرباء المنزلية بين ثلاثة في المائة، للشريحة الاستهلاكية بين 651 إلى ألف كيلوواط شهريا، و38.8 في المائة للشريحة من صفر حتى 200 كيلوواط، وهي من بين الشرائح الأكثر استخداما في المنازل المصرية.

 

وتعد الشريحة الأولى الأكثر تضرراً من الزيادات المتوالية، ولا سيما أنها ارتفعت من 5 قروش في يوليو/ تموز 2013 إلى 30 قرشاً وفق الزيادة الجديدة، فيما تأتي الشريحة الرابعة في المرتبة الثانية للشرائح الأكثر تضرراً، لارتفاع سعر الاستهلاك فيها من 17.5 قرشاً إلى 82 قرشاً، بزيادة نسبتها 369%، ثم الشريحة الخامسة التي بلغت نسبة الزيادة عليها 270%، بعد أن ارتفع سعر الكيلوواط فيها من 27 قرشاً إلى 100 قرش.

 

أسعار النقل

 

ارتفعت أسعار جميع وسائل النقل منذ يوليو 2013، لكن معدل الزيادة ونسبتها تضاعف بعد قرار التعويم في نوفمبر 2016، حيث ارتفع سعر تذكرة مترو الأنفاق في البداية من جنيها واحدا لكافة المحطات إلى جنيهين، ثم لاحقا بعد التعويم تم تقسيمها إلى شرائح تبدأ من جنيهين وصولا إلى 7 جنيهات، كما تم فصل تذكرة الخط الثالث عن باقي خطوط المترو.

 

وفي 13 يونيو الماضي، أعلنت وزارة النقل المصرية رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق لمستخدمي الخط الثالث، من 3 جنيهات إلى 5 جنيهات لكل 9 محطات، ومن 5 جنيهات إلى 7 جنيهات لكل 16 محطة، ومن 7 جنيهات إلى 10 جنيهات لكل 25 محطة، وذلك بالتزامن مع افتتاح المرحلة الرابعة للخط الثالث من المترو.

 

والشهر الماضي مهد وزير النقل كامل الوزير لزيادات جديدة في أسعار تذاكر المترو بدعوى الخسائر التي يحققها.

 

امتدت زيادات الأسعار إلى وسائل النقل العام، والتي شهدت أكثر من زيادة بداية من أغسطس /آب 2017، حيث تم رفع قيمة التذكرة 50 قرشًا، والثانية كانت في يونيو الماضي، حيث تم رفع تذكرة الأتوبيسات من جنيه ونصف إلى جنيهين، وخطوط أخرى من جنيهين ونصف إلى ثلاثة جنيهات، وأخرى تبلغ مسافة 40 كيلو من أربعة جنيهات إلى خمسة.

ارتفاع الأسعار

 

امتدت موجة الغلاء في جميع مناحي حياة المصريين، بعد تعويم الجنيه ليصل إلى غالبية السلع والخدمات تقريبا، سواء أساسية أو كمالية وذلك لأن مصر تستورد تقريبا 60% من احتياجاتها الغذائية، كما أن المواد المستوردة تدخل في مكونات كثير من السلع.

 

في نوفمبر 2016، رفعت الحكومة أسعار السكر رسمياً، ولم يفلت القطاع الزراعي من تداعيات التعويم، إذ واجه عدة أزمات، ومنها رفع الحكومة سعر الأسمدة بنسبة 50%، من 2000 إلى 3000 جنيه، عقب التعويم مباشرة، ثم رفعت الحكومة أسعار الأسمدة مرة أخرى بنسبة 8%، لتتفاقم معاناة المزارعين الذين تتخطى أعدادهم 15 مليونا، بحسب الإحصائيات الرسمية.

 

وأدى كل ذلك إلى ارتفاع التضخم في العام التالي للتعويم إلى معدلات تاريخية شارفت على 34%، إلا أن الحكومة أكدت بعد ذلك ومنذ العام 2018 بدء تراجع المعدل وصولا إلى 2.4 في المائة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مقابل 17.5 بالمائة في نفس الشهر من العام 2018، ينما تكشف الأرقام الحقيقية التي رصدتها “العربي الجديد” ارتفاعاً كبيراً في معدل تضخم العديد من البنود الأساسية المكونة لمؤشر أسعار المستهلكين.

وبعيدا عن أرقام التضخم فإن المحصلة النهائية هي غلاء الأسعار لكل الخدمات والسلع يقابله ركود كبير لتراجع القدرة الشرائية للمصريين نظرا للأوضاع المعيشية التي يواجهونها.

 

معدلات الفقر:

 

أدى ارتفاع الأسعار وتراجع العملة المحلية وثبات الدخل تقريبا، إلى ارتفاع معدلات الفقر في مصر، وأعلن “الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء” في مصر (رسمي) في يوليو 2019، ارتفاع معدل الفقر في البلاد خلال العام المالي 2017-2018 إلى 32.5 في المائة، مقابل 27.8 في المائة خلال العام المالي 2015-2016، فضلاً عن ارتفاع نسبة المواطنين القابعين تحت خط الفقر إلى 6.2 في المائة مقابل 5.3 في المائة، بما يمثل أكثر من 6 ملايين مصري.

 

وقال البنك الدولي في تقرير له مايو/أيار الماضي إن “30% من المصريين تحت خط الفقر، وأن 60% إما فقراء أو عرضة له كما أن عدم المساواة آخذ في الازدياد”.

برلمان السيسي يرضخ لصندوق النقد: تشريعات لصالح أغنياء مصر على حساب الفقراء

صمّ مجلس النواب المصري أذنيه عن أنين المواطنين وآلامهم، نتيجة تأزم الأوضاع المعيشية يوماً بعد يوم، ملتزماً إقرار ما يُمرر إليه من تشريعات حكومية على مدى ثلاث سنوات، ولا سيما الاقتصادية، رضوخاً للسلطة التنفيذية واستجابة لاشتراطات صندوق النقد الدولي.

 

وحسب مراقبين، أبرمت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي اتفاقها مع صندوق النقد بالمخالفة لنص المادة 127 من الدستور المصري، التي توجب موافقة مجلس النواب على الاتفاقيات الدولية قبل إبرامها، فيما لم يصوت البرلمان بالموافقة على اتفاق القرض إلا في 27 مارس/آذار 2017، أي بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على دخوله حيّز التنفيذ.

 

ووافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد على منح مصر قرضاً على ست شرائح بقيمة إجمالية بلغت 12 مليار دولار، في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

 

وأجرى الصندوق 5 مراجعات لبرنامج مصر الاقتصادي، خلال الفترة من يوليو/تموز 2017 وحتى يوليو/تموز 2019، لضمان التزام الحكومة المصرية تنفيذ جميع شروطه، وفي مقدمتها إصدار مجموعة من التشريعات التي استهدفت في حقيقة الأمر زيادة الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً، جراء التوسع في فرض مزيد من الضرائب والرسوم على الشرائح الأقل دخلاً.

ونص الدستور على فرض الضرائب التصاعدية وفقاً لدخول الأفراد وقدراتهم التكليفية، إلا أن النظام يعوّل أساساً على منظومة الجباية غير المباشرة “العمياء” التي تشكل عبئاً على جميع المواطنين.

 

ونفذت الحكومة إجراءات “قاسية” تأثرت بها شرائح واسعة من المواطنين سلباً، تمثلت بتحرير سعر صرف الجنيه (العملة المحلية)، فتهاوى سعره أمام الدولار، بالإضافة إلى فرض ضريبة على القيمة المضافة بنسبة 14 في المائة، وإلغاء دعم الكهرباء والمواد البترولية تدريجاً، فضلاً عن إعلان التزامها الاستمرار في برنامج طرح الشركات العامة للاكتتاب العام.

 

وفي وقت يطالب فيه السيسي، ورئيس وأعضاء حكومته وبرلمانه، جموع المصريين، بالصبر على إجراءات برنامج الإصلاح الاقتصادي، وافق مجلس النواب في إبريل/نيسان 2018 على تعديل تشريعي مقدم من الحكومة، يقضي بزيادة رواتب نائب رئيس الجمهورية، ورئيسي مجلسي النواب والشيوخ، ورئيس مجلس الوزراء، ونوابه، والوزراء، إلى 42 ألف جنيه شهرياً (الحد الأقصى للأجور).

 

وقضى التعديل باستحقاق الفئات المشار إليها معاشاً شهرياً “يُعادل 80 في المائة من راتب أو مكافأة كل منهم في تاريخ انتهاء شغل المنصب”، مع جواز الجمع بين هذا المعاش وأي معاش مقرر بموجب أي تشريع آخر، حتى يتمتع الوزراء والمحافظون من أصحاب الخلفيات العسكرية، وذووهم (في حالة الوفاة)، بالحصول على معاشين أو أكثر من أموال الدولة.

ووافق مجلس النواب الموالي لسلطة السيسي على حزمة من مشاريع القوانين، التي طلب صندوق النقد إقرارها ارتباطاً بتنفيذ برنامجه، منها تعديل قانون شركات المساهمة والتوصية بالأسهم والشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات الشخص الواحد، وغيره.

 

واستهدف قانون الإفلاس تنظيم إجراءات الخروج الآمن للمستثمرين والشركات غير القابلة للحياة من السوق المحلي، وعدم الزج بهم في دعاوى قضائية تؤثر بسمعتهم التجارية، من خلال استحداث نظام للوساطة للحد من تكدس القضايا داخل المحاكم، وخفض حالات اللجوء إلى الدعاوى القضائية، في ضوء تأخر ترتيب مصر بمؤشر قياس حسن ممارسة أنشطة الأعمال الصادر عن البنك الدولي، ومؤسسة التمويل الدولية.

وفي 15 مايو/أيار 2018، وافق مجلس النواب على قانون “إصدار الهيئة العامة للتنمية الصناعية”، استجابة لأحد اشتراطات صندوق النقد، الذي يوفر الأراضي الصناعية بالمجان أو بأسعار رمزية للمستثمرين، من خلال تحويل “تنمية الصناعة” إلى هيئة اقتصادية مستقلة، تتولى مسؤولية إصدار التراخيص الصناعية، وتوفير الأراضي للمستثمرين.

واعتبر صندوق النقد، خلال مراجعاته، أن إقرار مجلس النواب لقانوني الاستثمار، وتراخيص المنشآت الصناعية، خطوات حاسمة في تحسين مناخ الأعمال، ومكافحة الفساد، إلا أنه استدرك بالقول: “من المهم الاستمرار في وضع التشريعات الداعمة لمناخ الاستثمار، مثل دعم تنمية القطاع الخاص، في مقابل الحد من مشاركة الكيانات التابعة لوزارة الدفاع (الجيش) في التجارة”.

في غضون ذلك، تهربت مصر من التزامها أمام صندوق النقد، بعدما أجلت ضريبة الأرباح الرأسمالية على تعاملات البورصة حتى عام 2020، التي فُرضت للمرة الأولى في مايو/أيار 2013 بواقع واحد في الألف على المستثمرين في البورصة، وجمعت آنذاك أكثر من 350 مليون جنيه، إلا أن الحكومة أوقفت العمل بالضريبة مع تولي السيسي للحكم في العام التالي، تحت ذريعة الحفاظ على تنافسية سوق المال.

 

ومن المرتقب أن يصوت مجلس النواب، خلال دور انعقاده الجاري، على مشروع قانون العمل الجديد، الذي ينتقص من حقوق العمال، سواء في ما يتعلق بالأجور أو الحماية الاجتماعية، ويقنن إجراءات الفصل التعسفي، علاوة على منح أصحاب الأعمال سلطة تقليص أجور العمال، وتغيير أنماط عملهم مقابل عدم إغلاق المنشاة التجارية أو الصناعية، وتجريم حق الإضراب بالمخالفة للدستور.

 

ولم يُلزم مشروع القانون أصحاب الأعمال بالتأمين الاجتماعي على العمال كشرط أساسي من شروط العمل اللائق، إلى جانب تقسيمه الأجر إلى 4 أنواع (أساسي – متغير – تأميني – ثابت)، بما يُمهد الطريق لضياع حقوق العمال.

مصر: تسريح مئات الآلاف من الموظفين… ومؤشرات اجتماعية خطرة

مخاطر اجتماعية عديدة ترتبت على اتفاق الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي، أبرزها تسريح مئات الآلاف من العمال وانضمامهم إلى طوابير العاطلين عن العمل، وزيادة الجرائم الاقتصادية، حسب مراقبين لـ”العربي الجديد”.

وأظهرت بيانات رسمية أن الحكومة قلصت عدد العاملين في القطاع الحكومي بنحو 800 ألف موظف دفعة واحدة خلال العام المالي 2016/ 2017، الذي أعقب اتفاق الصندوق. وأشارت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) إلى بلوغ عدد العاملين في القطاع الحكومي 5 ملايين فرد بنهاية العام المالي قبل الماضي، مقابل 5.8 ملايين موظف في العام المالي السابق عليه 2015/ 2016، بانخفاض بلغت نسبته 13%.

 

وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولى، أمام البرلمان، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي: “لدينا مشكلة أساسية تتمثل في التوظيف في الجهاز الإداري للدولة، ونحن كحكومة نعلم حجم الأعباء المثقلة علينا، فهناك 5 ملايين موظف في الحكومة، ونحن لا نحتاج أكثر من 40% من هذه الطاقة، وبالتالي لا سبيل للضغط على الحكومة من أجل فتح التعيينات”.

 

وفي هذا الإطار، أكّد الخبير الاقتصادي مصطفى شاهين، لـ”العربي الجديد” أن النظام الحالي مجبر على الاستمرار في طريق التقشف والضغط المتواصل على المواطنين، بسبب تصاعد الأزمات المالية والاقتصادية التي كانت نتاجاً طبيعياً للاستسلام لشروط صندوق النقد الدولي.

 

وأكد شاهين أن المؤشرات الاجتماعية المترتبة على الخضوع لصندوق النقد هي الأخطر على الإطلاق، مشيراً إلى ارتفاع نسب الطلاق وجرائم القتل لأسباب اقتصادية وغيرها، موضحاً أن المجتمع المصري سيتعرض لأزمات أكبر في ظل اتجاه الحكومة إلى استكمال خطة تسريح الموظفين والتخلص من بقايا القطاع العام، عبر طرح الشركات الحكومية للبيع.

 

وحسب شاهين، فإن القرارات التقشفية الناجمة عن الاتفاق أدت إلى اتساع دائرة غضب الشارع المصري، حيث كانت الأزمات المجتمعية والمعيشية أهم أسباب انتفاضة الناس في 20 سبتمبر/أيلول الماضي، وما زال الشارع المصري محتقناً حتى الآن لهذا السبب.

 

وتابع أن أكثر من 80% من الإيرادات تأكلها أقساط الديون وفوائدها، مؤكداً أن السياسات الاقتصادية الحالية أدت إلى مستويات قياسية في الاقتراض، ما أرهق المالية المصرية.

 

وأرجع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مايو/أيار الماضي، زيادة الدين العام إلى مرتبات الموظفين وفوائد الاقتراض من الخارج. وأكد السيسي، في تصريحات سابقة عام 2016، أن الحكومة لا تحتاج سوى مليون موظف من إجمالي عدد الموظفين الحكوميين.

 

ووفقاً لاستراتيجية التنمية المستدامة (2030) التي أعلنها السيسي عام 2017، تعوّل الحكومة على اتّباع آلية التقاعد المبكر المذكورة في قانون الخدمة المدنية الجديد، مع حظر التعيينات الجديدة نهائياً، إلا في صورة تعاقدات مؤقتة كالتي ترغب وزارة التعليم في تطبيقها، أو عقود استشارية مؤقتة، أو في الجهات ذات الطابع الاستثنائي التابعة للرئاسة، حتى يصل الجهاز الحكومي إلى حوالي 3.9 ملايين موظف فقط بعد عامين.

 

ووفق البرنامج الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد، فالحكومة المصرية ملتزمة بتقليص أعداد الموظفين في الدولة ارتباطاً بخفض بند الأجور في الموازنة العامة.

 

وحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، تراجع معدل البطالة في مصر خلال الربع الثاني من العام الحالي، إلى 7.5% من قوة العمل، مقابل 8.1% في الربع الأول من 2019، وبلغ عدد العاطلين 2.094 مليون، بانخفاض 173 ألف عاطل، وهو ما شكك فيه خبراء اقتصاد؛ إذ أكدوا أن تراجع البطالة يتضارب مع رقم رسمي آخر، وهو زيادة نسبة الفقر إلى 32.5%، بالإضافة إلى تسريح مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين.

صندوق النقد وتعاون جديد مع مصر

خلال زيارته إلى العاصمة الأميركية واشنطن في الشهر الماضي، لحضور اجتماعات الخريف لصندوق النقد والبنك الدوليين، أكد رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي تطلع القاهرة لاستمرار علاقات التعاون مع صندوق النقد الدولي، من خلال برنامج جديد، يبدأ بعد انتهاء البرنامج الحالي، الذي صاحب حصول مصر على قرض بقيمة 12 مليار دولار.

 

وقالت الصفحة الرسمية لرئاسة الوزراء المصرية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إن مدبولي نقل لكريستالينا جورجييفا، المدير العام الجديد للصندوق، “تطلع مصر لاستمرار علاقات التعاون مع الصندوق خلال الفترة المقبلة، من أجل الحفاظ على مكتسبات برنامج الإصلاح الاقتصادي، من خلال برنامج جديد للتعاون يركز على تحقيق مستهدفات محددة”!

وكانت مصر قد وقعت اتفاقاً مدته ثلاث سنوات مع الصندوق، في الحادي عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، حصلت بمقتضاه على قرض بقيمة 12 مليار دولار، بعد التزامها بإصلاح ماليتها العامة، وتحرير عملتها، وتخفيض الدعم على مراحل، وصولاً إلى إلغائه التام، لخفض العجز في الميزانية وفي ميزان المدفوعات، وهو البرنامج الذي نفذته الحكومة المصرية على مدار ثلاث سنوات، تنتهي الشهر المقبل.

 

وفي الوقت الذي أعلن فيه الصندوق، في أكثر من مناسبة، إعجابه بـ”النجاح المذهل الذي حققه برنامج الإصلاح الاقتصادي في ظروف لم تكن سهلة”، وأشار إلى استخدامه مصر كنموذج لامع للدول التي طبقت برنامج إصلاح قوي وناجح، عانى ملايين المصريين من انخفاض حاد في قيمة ممتلكاتهم ودخولهم، بعد انهيار الجنيه المصري أمام الدولار، ووصول سعره إلى أقل من 5 سنتات أميركية، في أعقاب التعويم.

وزاد من وطأة ما تحمله المصريون خلال الفترة الماضية، ما أقدمت عليه الدولة المصرية، إرضاء لصندوق النقد الدولي، من رفع للدعم، جزئياً أو كلياً، عن الغاز والكهرباء والبنزين والماء ورغيف العيش، الأمر الذي تسبب في ارتفاع تكلفة كل شيء في مصر، بدءاً من المأكل والمشرب والملبس، إلى المواصلات والسكن والتعليم والعلاج، ومضاعفة أسعارها أضعافاً كثيرة، خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

 

وتسبب ارتفاع الدين العام المصري، الذي ترتب على الحصول على قرض الصندوق، وقروض أخرى دعمها ونصح بها الصندوق، واستسلمت لها الحكومة المصرية، في ارتفاع نسبة ما تستحوذ عليه تكلفة خدمة الدين من الموازنة العامة للدولة، وهو ما ترتب عليه انخفاض المبالغ المخصصة للتعليم والصحة والبحث العلمي، في مخالفة فجة لما نص عليه الدستور المصري، الأمر الذي ترتب عليه استمرار تراجع مصر في الترتيب العالمي فيما يخص جودة التعليم والعلاج، كما مكتسبات البحث العلمي، التي يحصل عليها المواطنون.

 

ومع استمرار عمليات النهب للمال العام، واستشراء الفساد في ربوع مصر، وغياب أي آليات للرقابة والمحاسبة (وكأني أتحدث عن الفترات المظلمة التي عانت فيها مصر من فساد حكامها قبل عدة قرون)، اضطرت الحكومة المصرية إلى التوجه نحو بيع العديد من شركاتها، أو حصص فيها، وإلى منح امتيازات ضخمة لمستثمرين سعوديين وإماراتيين، باعتبارهما أكبر مقرضين وداعمين للنظام الحالي، في تملك واستخدام أراضٍ ومشروعات، بصورة تشوبها المجاملة، وتهدد الأمن القومي، وتجهز على ما تبقى من ثروات المصريين.

 

وفي الوقت الذي يحدث فيه كل ذلك، اعتبر صندوق النقد أن “ما حققته مصر في تطبيقها المتميز للإصلاحات الاقتصادية لم يكن مفيداً لها فقط، وإنما أيضاً فيما يخص مستقبل عمل الصندوق مع دول أخرى”، وهو ما يؤكد أن الصندوق يعتبر حصول مصر على قرضه، وما تبنته من إصلاحات (تحت تهديد السلاح للمواطنين)، شهادة تقدير للصندوق، لا للاقتصاد المصري، كما حاولوا إقناعنا على مدار السنوات الماضية.

تجاهل الصندوق القبضة الحديدية التي يحكم بها النظام الحالي في مصر، والتعامل غير الآدمي مع كل من يرفض أو ينتقد أو يحاول أن يفهم ما يحدث، واعتبر أن صمت المصريين دليل على نجاحه ونجاح برنامجه وسياسات الحكومة، رغم أنه يعلم جيداً أن ميادين مصر وشوارعها مغلقة أمام المحتجين، ومفتوحة فقط للمواطنين الشرفاء من عبيد الاستقرار وذوي المصالح.

 

أشاد الصندوق بسياسات الحكومة المصرية، ونسي أن ما بني في مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة من سجون يفوق ما بني من مدارس أو مستشفيات أو مراكز بحث علمي، وأن أحداً من الحكومة أو مجلس النواب أو أي جهاز محاسبي أو رقابي آخر لم يقدم تقييم موضوعي لما حققه برنامج الصندوق، وأن من فعل ذلك واعترض على السياسات المصاحبة من داخل مصر لقي مصيره، ومن خارجها وصف بالعمالة والخيانة.

وفي بقاع أخرى من العالم، رفضت تونس توصيات صندوق النقد فيما يتعلق بأجور موظفي القطاع العام ودعم أسعار الطاقة، وأجلت الحكومة المغربية تعويم عملتها، ودخل المعلمون في الأردن في إضراب من أجل زيادة رواتبهم، وما زالت الجزائر تقاوم رفض الصندوق لسياساتها القائمة على دعم أسعار الطاقة وخدمات التعليم والصحة، وكل ذلك بضغط من الشارع في تلك البلدان، أو مجالسها النيابية الحقيقية.

 

وفي أميركا اللاتينية، أفلست الأرجنتين بعد أشهر قليلة من اعتماد برنامج الإصلاح الذي قدمه لها الصندوق، وخرج مئات الآلاف في شوارع تشيلي احتجاجاً على رفع أسعار المواصلات العامة بنسبة 3% وخصخصة الخدمات الصحية وانخفاض الأجور، وسادت الاحتجاجات العنيفة في أحياء كثيرة في الإكوادور بعد قيام رئيسها بإلغاء الدعم على الوقود، كجزء من الاتفاق مع صندوق النقد. وشهدت كل من هايتي وبوليفيا مظاهرات مماثلة لأسباب مشابهة.

ويبدو أن الصندوق، الذي فشل فشلاً عظيماً في العديد من البلدان، يلجأ مرة أخرى إلى مصر، من أجل إنقاذ سمعته، وبغض النظر عن مصلحة المصريين في اللجوء إليه، أو الابتعاد عنه، اعتماداً منه على “وهم” نجاح عمليته في مصر، الأمر الذي يحتم علينا أن ننبهه إلى “حقيقة” أنه إذا كانت العملية قد نجحت، فإن المرض قد مات! فليرحموه في موته، بعد أن غابت رحمتهم في حياته.

بيانات مضللة عن التضخم في مصر… الحكومة توهم المواطنين بانخفاض الأسعار

أظهرت بيانات حكومية في مصر، انخفاضا حادا في معدل التضخم (أسعار المستهلكين) على أساس سنوي، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مسجلا 2.4 في المائة، مقابل 17.5 بالمائة في نفس الشهر من العام الماضي 2018، بينما تكشف الأرقام الحقيقية التي رصدتها “العربي الجديد” ارتفاعاً كبيراً في معدل تضخم العديد من البنود الأساسية المكونة لمؤشر أسعار المستهلكين، خلافا لما أوردته البيانات الرسمية.

ودأب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، على إصدار بيانات خلال الأشهر الأخيرة، تظهر تراجع معدل التضخم بنسب كبيرة، بينما يؤكد خبراء ومواطنون أن الغلاء لا يتوقف في البلد الذي قفزت فيه معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة.

 

واعتبر الجهاز، في تقرير نشره على موقعه الإلكتروني، اليوم السبت، اطلعت عليه “العربي الجديد”، أن قسم الطعام والمشروبات سجل انخفاضاً على أساس سنوي، الشهر الماضي، بنسبة 6.2 في المائة، نتيجة انخفاض أسعار مجموعة الخضروات بنسبة 17.2 في المائة.

 

وأشار إلى تراجع أسعار الطماطم بنسبة 37 في المائة والبطاطس 23.8 في المائة، لكنه لم يذكر باقي أصناف الخضروات التي سجلت ارتفاعا كبيرا، وفق بيانات سوق العبور (أكبر أسواق مصر) التي تصدر بشكل رسمي يومياً، وتظهر وفق رصد لـ”العربي الجديد” صعود أسعار الخيار بنسبة 45.4 في المائة، والكوسة 34 في المائة، والفاصوليا 11 في المائة، والبامية 33 في المائة.

 

ولفت جهاز الإحصاء إلى انخفاض أسعار مجموعة اللحوم والدواجن بنسبة 10.5 في المائة، إلا أن البيانات الحقيقية تظهر ارتفاعا بنسبة 8 في المائة.

 

وذكر التقرير الحكومي أن أسعار مجموعة الألبان والجبن والبيض، ارتفعت بنسبة 2.5 في المائة، بسبب زيادة أسعار مجموعة لبن الحليب كامل الدسم بنسبة 4.7 في المائة، إلا أن البيانات الحقيقية التي جمعتها “العربي الجديد” تظهر ارتفاع أسعار الألبان بنسبة 16.6 في المائة.

 

ويعاني المصريون من استمرار الغلاء، في ظل زيادات مستمرة في الأسعار فرضها نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ منتصف عام 2014. وكشفت إحصائيات رسمية حديثة، عن وقوع ثلث المصريين تحت خط الفقر، إذ أعلن جهاز الإحصاء، ارتفاع معدل الفقر خلال العام المالي 2017/ 2018 إلى 32.5 في المائة، مقابل 27.8 في المائة خلال العام المالي 2015/ 2016. أي زاد عدد الفقراء بنسبة 4.7 في المائة خلال عام واحد، وهي أعلى نسبة للفقر في مصر منذ عام 2000.

 

وأظهر رصد نشرته “العربي الجديد” في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن أسعار السلع الغذائية التي تستحوذ وحدها على ما يقرب من 40 في المائة من إنفاق المصريين، قفزت بنسبة تصل إلى 300 في المائة في العديد من السلع منذ 2014، كما قفزت أسعار المنتجات البترولية بما يقرب من 800 في المائة، والكهرباء نحو 400 في المائة، فضلاً عن استبعاد ملايين المواطنين من دعم البطاقات التموينية.

 

وأضحى الإنفاق على الكهرباء والغاز والمواصلات، يلتهم جزءاً كبيراً من الدخول الضعيفة للمصريين. وأقر الجهاز المركزي للإحصاء بارتفاع معدل التضخم في قسم المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 6.4 في المائة، وقسم الملابس والأحذية 5.7 في المائة، والرعاية الصحية 11.2 في المائة، والنقل والمواصلات 15.6 بالمائة، والاتصالات 1.7 في المائة والترفيه 15.7 في المائة، والتعليم 28.5 في المائة، والمطاعم 10 بالمائة، والسلع والخدمات المتنوعة بنسبة 6.5 في المائة.

 

وبحسب البيانات الرسمية عن بنود الإنفاق، فإن النسبة الكبرى من رواتب المصريين تذهب في بند الطعام والشراب، بمعدل متوسط 37.1 بالمائة، ثم إلى المسكن ومستلزماته بنسبة 18.6 بالمائة، والرعاية الصحية 9.9 في المائة، والتنقلات 6.1 بالمائة، ثم الملابس بـ 4.8 بالمائة.

الحكومة المصرية تتخلى عن “إسكان الفقراء”

أعلن عدد من المطورين العقاريين في مصر توصلهم لاتفاق مع وزارة الإسكان للدخول في مشاريع الإسكان الاجتماعي.

 

وبررت الوزارة موافقتها، على لسان الدكتور عاصم الجزار، وزير الإسكان، بأنها تسعى للاستفادة من خبرات القطاع الخاص بمجال التطوير العقاري، بما يسهم في انتعاش قطاع الاستثمار العقاري، وتغطية أكبر عدد من المُستحقين من محدودي الدخل للاستفادة من برنامج الإسكان الاجتماعي.

 

ويرى خبراء في التسويق العقاري، أن مثل هذا الاتفاق بمثابة تخلٍّ جزئي من الحكومة عن الاستثمار في مشاريع الإسكان الاجتماعي. ويصف مصدر مسؤول بغرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية لـ”العربي الجديد” تجربة إشراك القطاع الخاص في بناء وحدات للإسكان الاجتماعي بالرائدة، والتي تهدف لاستفادة مزدوجة من حيث توسيع قاعدة المستفيدين من وحدات الإسكان الاجتماعي، وفي نفس الوقت تنشيط عمل شركات التطوير والعقاري، وما سينعكس مباشرة على حركة السوق العقارية.

 

 

ويشير إلى أن الحكومة تطرح مجموعة من الأراضي للاستثمار للمطورين العقاريين سيتم تخصيص من 25% إلى 30% من تلك الأراضي للإسكان الاجتماعي، بحسب المناطق مقابل تيسيرات تمنحها الدولة في السداد، على أن يسلم المطور العقاري الوحدات بالأسعار التي تحددها الدولة، في سبيل حصول المطور على هامش ربح بسيط.

 

ويوضح أن الحكومة لم تتخلَّ عن دورها في دعم الإسكان الاجتماعي، كما يرى البعض، ولكن الفكرة من إشراك القطاع الخاص هي توسيع قاعدة الإسكان الاجتماعي، وخلق فرص عمل جديدة للمطورين العقاريين. ويؤكد أن التجربة بدأ تنفيذها بالفعل وتم توقيع العقود مع عدد من شركات التطوير العقاري، والتي تم اختيارها بشكل يضمن الجدية لدعم التجربة الوليدة.

 

ويعتقد مسؤول تسويق عقاري في إحدى كبرى الشركات، أن مسألة مشاركة القطاع الخاص في مشروعات الإسكان الاجتماعي هي أحد أبواب الاستثمار التجاري للشركات من جهة، ومن أخرى بمثابة تخلي الدولة الجزئي وبالتدريج عن هذه النوعية من المشاريع.

 

وكدليل على كلامه، يقول المسؤول العقاري لـ”العربي الجديد” إن “أحد البنوك التجارية في مصر عرض على شركته تسويق مجموعة من الوحدات السكنية، وفوجئنا أنها من ضمن الوحدات المخصصة للإسكان الاجتماعي، إذ يشترط البنك ألا يكون المستفيد سبق له أن حصل على وحدة ضمن مشروعات الإسكان الاجتماعي، كما أنها بنفس مساحات ومواصفات الوحدات المخصصة للإسكان الاجتماعي”.

 

 

ويؤيد عبد الله عمر، وهو موظف مسؤول في إحدى شركات التطوير العقاري، الرأي السابق، من منطلق أن ما يتم الاعلان عنه ليس له علاقة بالإسكان الاجتماعي، سوى على غلاف المشروع فقط، فالشروط تعجيزية للفئات المستحقة لمثل هذه الوحدات سواء من الفقراء أو من متوسطي الدخل. ويلفت إلى أن الهدف من المشروع هو تنشيط عمل شركات التطوير العقاري، في ظل حركة ركود تضرب السوق.

المصادر: الجزيرة نت-عربي 21-العربي الجديد-اليوم السابع-عربي بوست

شاهد أيضاً

توابع كورونا.. خسائر فادحة ومخاوف من تسريح 45 ألف موظف بعد وقف العمرة

قررت سلطة الطيران المدني إيقاف رحلات العمرة إلى السعودية لحين إشعار آخر، بناء على التعليمات الصادرة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *